من كل حافٍ نصف عارى [1]
إلى أن يقول:
ويهّد أعمدة الضياء بما يصّعد من نشيجِ
أعلى من العبّاب يهدر رغوه ومن الضجيجِ
صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى، عراق
كالمدّ يصعد، كالسحابة كالدموع إلى العيون
الريح تصرخ بي: عراق
والموجُ يعْول بي: عراقُ، عراقُ، ليس سوى عراق [2]
إن ألفاظ الصوت: لهاث، ويهدر، والضجيج ونشيج، وصوت، وتصرخ، وتعول، امتلأت حتى أقصاها بالتجسيد لأن الشاعر زاوج فيها بين الاستعمالات المجازية: الريح تلهث كالجثام على الأصيل -كالمد يصعد، الريح تصرخ- الموج يعول، وبين الأفعال والأسماء المضعّفة: يسرّح -محيَّر- يهّد- يصعّد- العبّاب- تفجّر،
كما أن خروج الأفعال يهدر، وتصرخ، ويعول، من دلالاتها اللغوية إلى دلالات صوتية جاءت لتتضامن مع تكرار كلمة عراق"سبع مرات في بيان انسحاق الشاعر تحت وطأة غربة قاسية، وحنين طاغ إلى الوطن، وكأن روح السياب هي التي كانت تتحدث بما انطلقت الطبيعة معها في بوتقة موضوعية/ وجدانية/ فنية مزدوجة توحدّت الذات فيها بالموضوع بتلقائية واعية. ويستعمل السياب نوعًا آخر من ألفاظ الصوت هو الرباعي المضاعف مثل هسهس، وغمغم، ووسوس، وسقسق. [3] ففي قصيدة"يا نهر"استعمل الفعل توسوس:"
هيهات يسمع، إذ توسوس في الدجى، أصداء آه
بالأمس أطلقها لديك ترن في جرس الخفيف [4]
كما استعمل الفعل نفسه في قصيدة"تموز جيكور":
والنخل يوسوس أسراري
جيكور ستولد .. لكني
(1) ديوانه: أنشودة المطر، 1/ 317
(2) نفسه ص 317 - 318
(3) لم يقتصر السياب على استعمال هذه الصيغة من الأفعال على الفاظ الصوت، بل استعمل دغدغ، وعسعس مثلا، ويفسر الدكتور خليل إبراهيم العطية ذلك بأنه كان طلبًا لموسيقية المفردة .. وهربًا من الرخاوة". ينظر: التركيب اللغوي في شعر السياب، ص 67."
(4) ديوانه: المعبد الغريق، 1/ 170