سخرية الإله بالأنام [1]
تتجوهر القصيدة في عبارة (( عيناي تحرقان غابة الظلام ) )، فالعين التي تشتمل في بؤبؤها على جمرة تتغذى منها نار جهنم لا يمكن أن تنام. ومن هذه العين /الجمرة/ تتفرع المعاني الأخرى: السهر يفتح أبواب الغيب الموصدة، ومن بؤرة السهاد هذه ينزل الشاعر إلى قرارة الأرض يلم عظام الموتى، ومن بين هذه العظام تروعه تكشيرة تصورَّها تكشيرة جمجمته، فهو -وإن كان حيًا- إلا أنه يموت موتًا بطيئًا، فمرضه العضال هو عربون الموت المؤجل إلى ما بعد هذه الحُمّى التي جعلت من كل جماجم الموتى صورة لجمجمته، فالمال واحد. وهكذا نرى أن السياب يدخل في الطبيعة أي أنه يلقي بروحه في الطبيعة.
وفي قصيدتها (( السفينة التائهة ) )تبدو نازك الملائكة هيكلًا محطمًا تتقاذفه الرياح، بين أقدار قاسية لا ترحم، وموت يحدق بها، ورعود تصطفق فوقها، وهي بين كل ذلك ضالة، تائهة، لا تعرف طريقها؛
في لجة البحر الرهيب سفينة تحت المساءْ
ألقتْ بها الأقدار في لجج المنايا والشقاءْ
الريح تصرخ حولها ... وتضج في ظلم الفضاءْ
والموت يضربها ويلقيها على شفة الفناءْ
سارت ولا ربّانَ يهديها إلى الشط السحيقْ [2]
أما البياتي فيرسم في قصيدة (( الموت في الخريف ) )صورة كئيبة، فاجعة، لليل الريف: سنديان حزين، وغيوم باكية، ومدخلة، وحان مهجور تخلف عنه الندامى فبنت عليه عصفورتان عشًا من الدم والدخان؛ والشاعر هنا .. خلافًا للسياب- يلقي الطبيعة على الروح. يقول البياتي:
عيناك في ليل الخريف إلى المدى تتطلعانْ
ماذا وراء الربوة الحمراء؟ غير السنديانْ
وسحائب تبكي ومدخنة وحانْ
تبني لأمر ما على شباكه عصفورتانْ
عشًا من الدم والدخانْ
وأنت كالحلم المسجّى، ذابلٌ، دامي الجنان. [3]
(1) ديوانه شناشيل ابنة الجلبي، 1/ 704.
(2) ديوانها عاشقة الليل، 1/ 612.
(3) ديوانه المجد للأطفال والزيتون: 1/ 358.