والحلاج، شاعرًا ومفكرًا وإنسانًا، ينتمي إلى التراث الصوفي الذي استلهمه الشعر المعاصر لما فيه من سمات ثورية خاصة عند المتمردين والعشاق منهم ولا شك في أن بين البياتي والحلاج خصائص مشتركة فكلاهما شاعر، تغرَّبَ، وحورب، وكلاهما ثورى النزعة، [1] وقصيدة (( عذاب الحلاج ) )تتكون من ستة مقاطع: في المقطع الأول (( المُريد ) )سمع صوتين هما في النهاية صوت واحد، صوت المريد وصوت البياتي ولكننا نستطيع أن نميز خيطًا شفافًا بينهما:
سقطتَ في العتمة والفراغْ
تلطَّختْ روُحك بالاصباغْ
شربتَ من آبارِهِمْ
أصابك الدوارْ
تلوَّثتْ يداك بالحبر وبالغبارْ [2]
ربما يكون هذا صوت الشاعر البياتي، أو صوت الأنا الأخرى للحلاج، وقد يكون صوت الروح الكوني اتصل بالحلاج. وإذ تلقى الحلاج هذا العتاب/ الاتهام فإنه يتكلم مدافعًا عن نفسه:
يا ناحرًا ناقته للجارْ
طرقت بابي بعد أنْ نام المغنّي
بعد أنْ تحطّم القيثارْ
من أين لي؟ وأنت في الحضرة تستجلى
وأين أنتهي وأنت في بداية انتهاءْ؟ [3]
تلك إحدى لحظات التجلي عند الصوفي وهو يتحسس خطأه حين التمس الحقيقة بالوسيط (الحبر والغبار) ، وحين شرب من آبار الغير ولم يحفر بئره بنفسه، ولذلك كان متهمًا بنظر الصوت الأول [4] ، وفي المقطع الثاني (( رحلة حول الكلمات ) )ينفرد الحلاج بالتحدث:
(1) وصف لويس ماسنيون الحلاج بأنه (( نزّاع إلى الثورة ) )ينظر: شخصيات قلقة في الإسلام )) ، ص 67.
(2) ديوانه، سفر الفقر والثورة، 2/ 145.
(3) المكان نفسه.
(4) كان الحلاج يحب الله (والله أكبر من أن يحب) ، وحكم باهدار دمه، فاستخفى زمنًا، ثم سجن، ولما أخرج ليصلب عرف أنه كان مخبول المطامع فأنشد يقول:
نديمي غير منسوب إلى شيء من الحيف
سقاني مثل ما يشرب فعل الحر بالضيف
فلماذا أرت الكأس بالنطع والسيف
كذا من يشرب الراح مع التنين في الصيف
فكان ذلك اعترافًا منه بأنه جهل قدر نفسه حين ارتضى أن يكون نديمًا للمحبوب القهار. ينظر: التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، الدكتور زكي مبارك 1/ 183 - 184.