فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 170

وفي موضوع الاغتراب والغربة في شعر الرواد نطالع نصوصًا اشتملت على الفاظ من اللهجة العامية، وعلى إشارات، وأمثال وأغان شعبية تداولها الناس وباتت مشهورة على السنتهم. والشاعر قد يوظف أيا من هذه الإشارات إذا وجد فيها ما يستجيب لحالته الانفعالية، ويشكل منها قيمة فنية جديدة.

وقد عُرف السياب باستعمالات موفقة لألفاظ دارجة رآها -دون غيرها- مطمنّة لتجربته"فاللفظ الشعبي لدى السياب طرى إذ ينتزع منه .. أسمال التكرار ويحذف ما تلف فيأتي وكأنه ولد جديدا طريًا مستساغًا" [1] .

يقول في قصيدة"غريب على الخليج"

ما زلت أضرب، مترب القدمين، أشعث في الدروب

تحت الشموس الأجنبية

بين احتقار، وانتهارٍ أو"خطيّةْ"

والموت أهون من"خطيّةْ" [2]

لا شك في أن السياب لم يلتجئ بسبب القافية إلى مفردة"خطية"بل لأنه وجدها معبرة أصدق تعبير عن حالته المزرية البائسة في الكويت، فهو منسحق تحت رحى غربة قاسية ليس له فيها نصير بعد أن اضطرته ظروفه السياسية إلى ترك بلاده والالتجاء إلى إيران ثم الكويت تعوزه الصحة كما يعوزه المال والاستقرار والأمان. ولذلك أصبحت هذه المفردت جزءًا أصيلًا وطبيعيًا من نسج القصيدة لا يشعر المتلقي أنها نشاز أو متكلفة، أو في غير سياقها. وفي قصيدة"رسالة"يستخدم الشاعر كلامًا شعبيًا على لسان ابنته بعد أن يكسبه من روحه، ما يضعه في مستوى معماره الفني:

ويا حديثك عن"آلاءَ"يلذعها

بعدى فتسأل عن بابا"أما طابا"؟

أكاد أسمعها

رغم الخليج المدوّي تحت رغوته [3]

فالسؤال على لسان الصغيرة عن الأب الغائب المريض لا يمتلئ، انفعالًا وفنًا، بغير"أما طابا"كما جاء وقوعه بعد كلمة تماثله في الموسيقى"بابا"ليرتفع

(1) بدر شاكر السياب والحركة الشعرية في العراق، محمود العبطة، 110.

(2) ديوانه أنشودة المطر، 1:321

(3) ديوانه شناشيل ابنة الجبلي، 1/ 709

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت