الأولى للسياب والثانية لبلند الحيدري.
تعد قصيدة"غريب على الخليج"إحدى أهم قصائد السياب، ففضلًا عما توافرت عليه من ملامح القصة، فإنها قدمت نموذجًا بشريًا عبر تجربة إنسانية فريدة، عانى فيها البطل/ الشاعر صراعًا عنيفًا ضد قوى الوجود والطبيعة [1] .
وعلى الرغم من تكدس المعاني والصور فيها وفي سواها من قصائد السياب الطويلة بسبب كونها"وصفية شبه قصصية أكثر منها مبدعة صراع"كما يرى الدكتور جلال الخياط [2] فإن عذر السياب في ذلك أنه شاعر وليس قاصًا أو روائيًا.
في بداية القصيدة يرسم السياب لوحة المشهد العام، وكأنه يجسد مدخل القصة:
الريح تلهث بالهجيرة، كالجثام على الأصيلْ
وعلى القلوع تظل تُطوى أو تنشّر للرحيلْ
زحم الخليج بهن مكتدحون جوّابو بحارِ
من كل حافٍ نصفِ عاري [3]
حركة دائبة ومصطخبة: من قلوع بعضها يُطوى وبعضها ينشر، وبحّارة حفاة أنصاف عراة يرتسم الكدح على جباههم، وطقس خانق، ساخن، تلهث الرياح فيه وكأنها كابوس ثقيل رهيب أطبق على الأصيل فقتل سحره. وفي هذا الجو المأساوي كان البطل يخوض صراعه:
وعلى الرمال، على الخليجْ
جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليجْ
ويهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيجْ
أعلى من العبّاب يهدر رغوة ومن الضجيجْ
صوت تفجّر في قرارة نفسيَ الثكلى عراقْ
كالمدِّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيونْ
الريح تصرخ بي: عراق
والموج يُعْول بي: عراقُ، عراقُ، ليس سوى عراقْ [4]
(1) ينظر: الرؤيا الشعرية المعاصرة د. أحمد نصيف الجنابي، 61، وبدر شاكر السياب رائد الشعر الحر، عبد الجبار داود البصري 62 ودير الملاك، د. محسن اطيمش، 26 وما بعدها.
(2) الشعر العراقي الحديث، 158
(3) ديوانه: أنشودة المطر، 1/ 317
(4) نفسه: 1/ 317 - 318