فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 611

فلما عايناها أنكرنا ذلك فأسرع رجال من المسلمين إلى خالد يخبرونه بالغبرة. قال: أيكم يأتيني بخبرها؟ فبادر بالإجابة رجل من غفار يقال له صعصعة بن يزيد الغفاري. قال: أنا أيها الأمير. ثم نزل عن جواده، وكان بجريه يسبق الفرس الجواد لقوة عزمه فورد الغبرة واختبرها ورجع على عقبه، وهو ينادي: أيها الأمير أدركنا الصلبان من ورائنا وهم مصفدون في الحديد لم يبن منهم غير حماليق الحدق، فدعا خالد بيونس الدليل عندما قاربته الخيل وقال: يا يونس اقصد نحو الخيل وانظر ما يريدون. فقال: السمع والطاعة. ثم دنا من الخيل وقاربهم، ثم رجع إلى خالد، وقال له: ألم أقل لك أيها الأمير إن هرقل لا يغفل عن طلب ابنته وقد أنفذ هذه الخيل يريدون أن يأخذوا الغنيمة من أيدي المسلمين، فلما لحقوك هاهنا قريبًا من دمشق بعثوا رسولًا يسألك في الجارية إما بيعها وإما هدية، فبينما خالد يتحدث إذ أقبل إليه شيخ عليه لبس المسوح فأقبل حتى دنا من المسلمين فأوقفوه أمام خالد، وقال له: قل ما تشاء. فقال الشيخ: أنا رسول الملك هرقل وإنه يقول لك بلغني ما فعلت برجالي وقتلت توما زوج ابنتي وهتكت حرمتي، وقد ظفرت وسلمت فلا تفرط بمن معك، والآن إما أن تبيع ابنتي أو تهديها إليَّ فالكرم شيمتكم وطبعكم ولا يُرحم من لا يَرحم وإني أرجو أن يقع بيننا الصلح! فلما سمع خالد ذلك قال للشيخ: قل لصاحبك والله لا رجعت عنه وعن أهل ملته حتى أملك سريره وما تحت قدميه، كما في علمك، وأما إبقاؤك علينا فلو وجدت إلى ذلك من سبيل فما قصرت، وأما ابنتك فهي لك هدية منا! ثم إن خالدًا أطلق ابنة الملك هرقل وسلمها للشيخ ولم يأخذ في فدائها شيئًا، فلما بلَّغ ذلك الرسول إلى الملك هرقل قال لعظماء الروم: هذا الذي أشرت عليكم فلم تقبلوه وأردتم قتلي وسيكون الأمر أعظم، ولكن ليس هذا منكم بل هو من رب السماء! فبكت الروم بكاءً شديدًا!

وسار خالد حتى أتى دمشق، وكان المسلمون وأبو عبيدة قد أيسوا من خالد ومن معه فهم في أعظم القلق والإياس إذ قدم عليهم خالد - رضي الله عنه - والمسلمون فخرجوا إلى لقائه وهنئوه بالسلامة وسلم المسلمون بعضهم على بعض ووجد خالد في دمشق عمرو بن معد يكرب الزبيدي ومالك بن الأشتر النخعي ومن كان معهما وأقبل خالد إلى جانب أبي عبيدة، وهو يحدثه بما لاقى في غزوته وأبو عبيدة يتعجب من شجاعته وجسارته، فلما استقر بخالد مكانه أخذ الخمس من الغنائم وفرق الباقي على المسلمين ثم إن خالدًا أعطى من ماله ليونس، وقال: خذ هذا فتزوج به أو اشتر به جارية لك من بنات الروم. قال يونس: والله لا أتزوج في هذه الدار الدنيا زوجة أبدًا وما أريد إلا أن أتزوج في الآخرة بعيناء من الحور العين. قال رافع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت