فهرس الكتاب
فلما انكشف الكرب عن خالد ونظر إلى ما فعل ضرار. قال: أفلح الله وجهك يا ابن الأزور فما زلت مباركًا في كل أفعالك أنجح الله أعمالك وأصلح ربي حالك. ثم سلم على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وعلى المسلمين، وقال: من أين علمتم مكاني هذا؟ فقال عبد الرحمن: يا أمير بينما نحن في قتال الروم، وقد نصرنا الله عليهم والمسلمون قد اشتغلوا بالغنائم إذ سمعنا هاتفًا من الهواء يقول: اشتغلتم بالغنائم وخالد قد أحاطت به الروم. فلما سمعنا ذلك لم ندر أي مكان أنت فيه، وفقدنا شخصك فدلنا عليك علج كان بيد رجل من أصحابك، وقال: إن صاحبكم أنا الذي دللته على هربيس وإنه معه في هذا الجبل فسرنا إليك. فقال خالد: لقد دلنا على عدونا؟ ودل علينا المسلمين، وقد وجب له الحق علينا! ورجع خالد وأصحابه إلى المسلمين، فلما رأوه بادروا وسلموا عليه فرد عليهم السلام. ثم إن خالدًا - رضي الله عنه - دعا بذلك العلج الذي دله على هربيس، وقال له: إنك وفيت لنا ونريد أن نوفي لك بما وعدناك لأنك نصحت لنا فهل لك أن تكون من أصحاب دين الصلاة والصيام وملة محمد - صلى الله عليه وسلم - فتكون من أهل الجنة، فقال: ما أريد بديني بدلًا! فأطلق خالد سبيله. قال نوفل بن عمرو: فرأيته قد استوى على ظهر جواده يطلب بلاد الروم وحده.
ثم إن خالدًا - رضي الله عنه - أمر بجمع الغنائم والأسارى فجمع ذلك إليه، فلما رأى كثرته حمد الله تعالى وشكره وأثنى عليه ودعا بدليله يونس النجيب. ثم قال له: ما فعلت بزوجتك؟ فحدثه بحديثه معها، وما كان من أمرها فعجب من ذلك، فقال رافع بن عميرة: أيها الأمير إني أسرت ابنة الملك هرقل، وقد سلمتها إليه بدلًا من زوجته. فقال خالد: وأين ابنة الملك هرقل؟ فمثلت بين يديه فنظر إلى حسنها وجمالها وما منحها الله به من الجمال فصرف وجهه عنها، وقال: سبحانك اللهم وبحمدك تخلق ما تشاء وتختار. ثم قرأ قوله تعالى:"وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ" (القصص:68) ، ثم قال ليونس: أتريدها بدلًا من زوجتك؟ قال: نعم ولكني أعلم أن الملك هرقل لابد له أن يفديها بالأموال أو يخلصها بالقتال. فقال خالد: خذها لك الآن فإن لم يطلبها فهي لك، وإن طلبها فالله يعوضك خيرًا منها. فقال يونس: أيها الأمير إنك في مكان ضيق ومكان صعب فاعزم على الخروج قبل أن يلحق نفير القوم. فقال خالد: الله لنا ومعنا وعطف راجعًا يجد في مسيره والغنائم أمامه والمسلمون في أثره فرحين بالغنيمة والسلامة والنصر.
قال روح بن عطية: فقطعنا الطريق كلها وما عرض لنا من الروم أحد ونحن نخوض في وسط ديار القوم خوضًا، فلما وصلنا مرج الصغير عند قنطرة أم حكيم نظرنا إلى غبرة من وراءنا.