فهرس الكتاب
أمانة عظيمة وإني راع وكل راع مسؤول عن رعيته، وقد جئت لإصلاحكم والنظر في معايشكم وما يقربكم إلى ربكم أنتم ومن حضر في هذا البلد فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من صبر على أذاها وشرها كنت له شفيعًا يوم القيامة"وبلادكم بلاد لا زرع فيها ولا ضرع ولا ما أوقر به الإبل إلا من مسيرة شهر، وقد وعدنا الله مغانم كثيرة وإني أريدها للخاصة والعامة لأولي الأمانة والتوقير للمسلمين ... وما كرهت ولاية خالد على المسلمين إلا لأن خالدًا فيه تبذير المال يعطي الشاعر إذا مدحه ويعطي للمجاهد والفارس بين يديه فوق ما يستحقه من حقه ولا يبقي لفقراء المسلمين ولا لضعفائهم شيئًا! وإني أريد عزله وولاية أبي عبيدة مكانه والله يعلم أني ما وليته إلا أمينًا فلا يقول قائلكم: عزل الرجل الشديد وولى الأمين اللين للمسلمين فإن الله معه يسدده ويعينه.
ثم نزل عن المنبر وأخذ جلد أدم منشور وكتب إلى أبي عبيدة كتابًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وبعد، فقد وليتك أمور المسلمين فلا تستحي فإن الله لا يستحي من الحق، وإني أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه والذي استخرجك من الكفر إلى الإيمان، ومن الضلال إلى الهدى، وقد استعملتك على جند ما هنالك مع خالد فاقبض جنده واعزله عن إمارته ولا تنفذ المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة ولا تنفذ سرية إلى جمع كثير ولا تقل إني أرجو لكم النصر فإن النصر إنما يكون مع اليقين والثقة بالله، وإياك والتغرير بإلقاء المسلمين إلى الهلكة، وغض عن الدنيا عينيك وأَلْهِ عنها قلبك.
وإياك أن تهلك كما هلك من كان قبلك فقد رأيت مصارعهم وخبرت سرائرهم وإنما بينك وبين الآخرة ستر الخمار وقد تقدم فيها سلفك وأنت كأنك منتظر سفرًا ورحيلًا من دار قد مضت نضرتها وذهبت زهرتها! فأحزم الناس فيها الراحل منها إلى غيرها ويكون زاده التقوى. وراع المسلمين ما استطعت، وأما الحنطة والشعير الذي وجدت بدمشق وكثرت في ذلك مشاجرتكم فهو للمسلمين، وأما الذهب والفضة ففيهما الخمس والسهام، وأما اختصامك أنت وخالد في الصلح أو القتال فأنت الولي وصاحب الأمر وإن صلحك جرى على الحقيقة أنها للروم فسلم إليهم ذلك والسلام ورحمة الله وبركاته عليك وعلى جميع المسلمين. وأما هديتك ابنة الملك هرقل فهديتها إلى أبيها بعد أسرها تفريط، وقد كان يأخذ في فديتها مالًا كثيرًا يرجع به على الضعفاء من المسلمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وطوى الكتاب