فهرس الكتاب
يواجهه في ذلك لأجل عزله، فقام من وسط الناس غلام شاب نبت شعر عارضيه واخضرَّ شاربه وكان ذلك الشاب عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه -، وكانت أمه أسماء بنت عميس الخثعمية وكان أبوه جعفر - رضي الله عنه - قد مات في غزوة تبوك وخلف ولده عبد الله صغيرًا فتزوجها أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، فلما كبر وترعرع كان يقول لأمه: يا أماه ما فعل أبي؟ فتقول: يا ولدي قتله الروم وكان يقول: لئن عشت لآخذن بثأره، فلما مات أبو بكر وتولى عمر - رضي الله عنه - جاء عبد الله إلى الشام في بعث بعثه عمر مع عبد الله بن أنيس الجهني وكان فيه مشابهة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خلقه وخلقه وهو أحد الأصحاب الأسخياء، فلما قال أبو عبيدة - رضي الله عنه: أيها الناس من ينطلق إلى هذا الدير وثب عبد الله بن جعفر الطيار - رضي الله عنه - وقال: أنا أول من يسير مع هذا البعث يا أمين الأمة. ففرح أبو عبيدة وجعل يندب له رجالًا من المسلمين وفرسان الموحدين وقال له: أنت الأمير يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعقد له راية سوداء وسلمها إليه، وكان على الخيل خمسمائة فارس منهم رجال من أهل بدر، وكان من جملة من سيره مع عبد الله أبو ذر الغفاري وعبد الله بن أبي أوفى وعامر بن ربيعة و .... ومثل هؤلاء السادات - رضي الله عنهم - أجمعين. ولما أن اجتمع الخمسمائة فارس تحت راية عبد الله بن جعفر وما منهم إلا من شهد الوقائع وخاض المعامع عوَّلوا على المسير. وقال أبو عبيدة لعبد الله بن جعفر: يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تقدم على القوم إلا في أول قيام السوق، ثم إنه ودعهم وساروا.
وكان في هذه السرية مع عبد الله بن جعفر واثلة بن الأسقع وكان خروجهم من أرض الشام وهي دمشق إلى دير أبي القدس في ليلة النصف من شعبان وكان القمر زائد النور. وقال وأنا إلى جانب عبد الله بن جعفر. فقال لي: يا ابن الأسقع ما أحسن قمر هذه الليلة وأنوره، فقلت: يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه ليلة النصف من شعبان وهي ليلة مباركة عظيمة، وفي هذه تكتب الأرزاق والآجال وتغفر فيها الذنوب والسيئات وكنت أردت أن أقومها. فقلت: إن سيرنا في سبيل الله خير من قيامها والله جزيل العطاء. فقال: صدقت ثم إننا سرنا ليلتنا، فبينما نحن سائرون إذ أشرفنا على صومعة راهب وعليه برنس أسود، فجعل يتأملنا وينظر في وجوهنا فتفقدنا واحدًا بعد واحد، ثم جعل يطيل النظر في وجه عبد الله، ثم قال: أهذا الفتى ابن نبيكم؟ فقلنا: لا قال: إن نور النبوة يلوح بين عينيه فهل يلحق به؟ فقلنا: هو ابن عمه. فقال الراهب: هو من الورقة والورقة من الشجرة. فقال عبد الله: أيها الراهب وهل تعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: وكيف لا أعرفه واسمه وصفته في التوراة والإنجيل والزبور، وإنه صاحب الجمل الأحمر والسيف المشهر. فقال عبد الله: فلم لا تؤمن به وتصدقه؟! فرفع يده