فهرس الكتاب
إلى السماء وقال: حتى يشاء صاحب هذه الخضراء! فأعجبنا كلامه. وسرنا والدليل بين أيدينا إذ أتى بنا إلى واد كثير الشجر والماء أمرنا أن نكمن فيه، ثم قال لعبد الله بن جعفر: إني ذاهب أجس لكم الخبر. فقال له عبد الله: أسرع في مسيرك وعد إلينا بالخبر. قال فانطلق مسرعًا وأقام عبد الله بن جعفر يحرس المسلمين بنفسه إلى الصباح.
فلما أصبحنا صلينا صلاة الصبح وجلسنا ننتظر رجوع الرسول فلم يأت وأبطأ خبره علينا فقلق المسلمون عليه لاحتباسه وخافوا من المكيدة ووسوس لهم الشيطان وساءت بالدليل الظنون فما من المسلمين إلا من ظن بالمعاهد شرًا إلا أبا ذر الغفاري - رضي الله عنه - فإنه قال: ظنوا بصاحبكم خيرًا ولا تخافوا منه كيدًا ولا مكرًا إن له شأنًا تعلمونه. قال فسكت الناس بعد ذلك وإذا بصاحبهم قد أقبل. قال واثلة بن الأسقع: فلما رأيناه فرحنا به وظننا أنه يأمر بالنهوض إلى العدو فأقبل حتى وقف وسط المسلمين. وقال: يا أصحاب محمد وحق المسيح ابن مريم أني لا أكذبكم فيما أحدثكم به وإني رجوت لكم الغنيمة وقد حال بينكم وبينها ماء.
فقال له عبد الله - رضي الله عنه: وكيف حيل بيننا وبينها؟ قال: حال بينكم وبينها بحر عجاج، وذلك أنِّي أشرفت على السوق وقد قام فيه البيع والشراء، فاجتمع فيه أهل دين النصرانية وقد دار أكثرهم بالدير دير أبي القدس واجتمع إليه القسس والرهبان والملوك والبطارقة، فلما نظرت إلى ذلك لم أرجع حتى اختبرت ما السبب الذي تجمعت له الخلق زيادة على كل سنة، وذلك أني مضيت، واختلطت بالقوم وإذا بصاحب طرابلس قد زوج ابنته ملكًا من ملوك الروم، وقد أتوا بالجارية إلى الدير ليأخذوا لها من راهبهم قربانًا وقد دار بها فرسان الروم المتنصرة في عددهم وعديدهم، كل ذلك خوفًا منكم لأنهم يعلمون أنكم بأرض الشام يا معاشر المسلمين وما أرى لكم صوابًا أن تصلوا إلى القوم لأنهم خلق كثير وجم غفير وجمع غزير. فقال عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه: في كم يكون القوم وكم حزرتهم؟ فقال: أما السوق ففيه أكثر من عشرين ألفًا من عوام الروم والأرمن والنصارى والقبط واليهود من مصر والشام وأهل السواد والبطارقة والمتنصرة، وأما المستعدون للحرب فخمسة آلاف فارس فما لكم بالقوة طاقة، وإن وقع الصائح في بلادهم انضاف إليهم أمثالهم فإن بلادهم متصلة بهم، وأما أنتم فعددكم يسير، والعرب منكم بعيد.
قال الواقدي: فصعب ذلك على عبد الله بن جعفر وعلى المسلمين وسقط في أيديهم وهموا بالرجوع. فقال عبد الله بن جعفر: معاشر المسلمين! ما الذي تقولون في هذا الأمر؟ فقالوا: