فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 611

نرى أن لا نلقي بأيدينا إلى التهلكة كما أمر ربنا في كتابه العزيز، ونرجع إلى الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - والله لا يضيع أجرنا. قال فلما سمع عبد الله قولهم قال: أما أنا فأخاف إن فعلت ذلك أن يكتبني الله من الفارين وما أرجع أو أبدي عذرًا عند الله تعالى، فمن ساعدني فقد وقع أجره على الله، ومن رجع فلا عتب عليه! فلما سمعوا ذلك من عبد الله بن جعفر أميرهم وبَذْلُ مهجته استحيوا منه وأجابوه بأجمعهم وقالوا: افعل ما تريد فما ينفع حذر من قدر! ففرح بإجابتهم، ثم عمد إلى درعه فأفرغه عليه ووضع على رأسه بيضة وشد وسطه بمنطقة وتقلد بسيف أبيه واستوى على متن جواده وأخذ الراية بيده وأمر الناس بأخذ الأهبة فلبسوا دروعهم واشتملوا بسلاحهم وركبوا خيولهم وقالوا للدليل: سر بنا نحو القوم فستعاين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عجبًا.

قال واثلة بن الأسقع: فرأيت الدليل قد اصفرَّ وجهه وتغير لونه وقال: سيروا أنتم برأيكم وما عليَّ من أمركم! وخرج. قال أبو ذر الغفاري فرأيت ابن جعفر يتلطف به حتى سار بين يديه يدله على القوم ساعة، ثم وقف وقال: أمسكوا عليكم فإنكم قد قربتم من القوم فكونوا في مواضعكم كامنين إلى وقت السحر ثم أغيروا على القوم. قال واثلة: فبتنا ليلتنا حيث أمرنا ونحن نطلب النصر من الله تعالى، فلما أصبح النهار صلى بهم عبد الله بن جعفر الصبح، فلما فرغوا من صلاتهم قال: ما ترون في الغارة؟ فقال عامر بن عميرة بن ربيعة: أدلكم على أمر تصنعونه؟ قالوا: قل. قال: اتركوا القوم في بيعهم وشرائهم وإظهار أمتعتهم، ثم اكبسوا عليهم على حين غفلة وغرَّة من أمرهم. فصوَّب الناس رأيه وصبروا إلى وقت قيام السوق، ثم أظهروا السيوف من أغمادها وأوتروا القسي وشرعوا لأماتهم، وعبد الله بن جعفر أمامهم والراية بيده، فلما طلعت الشمس عمد عبد الله إلى المسلمين فجعلهم خمسة كراديس كل كردوس مائة فارس وجعل على كل مائة نقيبًا وقال: تأخذ كل مائة منكم قطرًا من أقطار سوقهم ولا تشتغلوا بنهب ولا غارة، ولكن ضعوا السيوف في المفارق والعواتق! وتقدم عبد الله بن جعفر بالراية وطلع على القوم فنظر إلى الروم متفرقين في الأرض كالنمل لكثرتهم وقد أحدق منهم بدير الراهب خلق كثير، والراهب قد أخرج رأسه من الدير وهو يعظ الناس ويوصيهم ويعلمهم معالم ملتهم وهم إليه شخوص بأبصارهم وابنة البطريق عنده في الدير والبطارقة وأبناؤهم عليهم الديباج المثقل بالذهب، ومن فوقهم دروع وجواشن تلمع وبيض وهم ينظرون صيحة بين أيديهم أو طارقًا يطرقهم من خلفهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت