فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 611

ونظر عبد الله إلى الدير وإلى ما أحدق به، وإلى الراهب وما حول صومعته فهاله ذلك من أمرهم وصاح فيهم قبل الحملة وقال: يا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احملوا بارك الله فيكم، فإن كانت غنيمة وسرور فالفتح والسلامة ويكون الاجتماع تحت صومعة الراهب، وإن كان غير ذلك فهو وعدنا الجنة ونلتقي عند حوض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الصحابة. قال وطلب عبد الله الجم العظيم فغاص فيهم وجعل يضرب بسيفه ويطعن برمحه ويحمل المسلمون من ورائه، وسمع الروم أصوات المسلمين مرتفعة بالتهليل والتكبير فتيقنوا أن جيوش المسلمين قد أدركتهم وكانوا لذلك منتظرين وعلى يقظة من أمرهم، فأما السوقة فإنهم تبادروا إلى أسلحتهم والمنع عن أنفسهم وأموالهم وأخرجوا السيوف من الأغمدة وانعطفوا على قتال المسلمين عطفة الأسد الضاري، وطلبوا صاحب الراية ولم يكن في المسلمين راية غيرها فأحدقوا بالراية من كل جانب ومكان وقامت الحرب على ساق وثار الغبار وانعقد، وأحدق الروم بالمسلمين، فما كان المسلمون فيهم إلا كشامة بيضاء في جلد بعير أسود، وما كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرف بعضهم بعضًا إلا بالتهليل والتكبير، وكل واحد مشتغل بنفسه عن غيره.

قال أبو سبرة، وكان من السابقين والمتقدمين بإيمانهم في الإسلام وصاحب الهجرتين جميعًا قال: شهدت قتال الحبشة مع جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - وشهدت المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بدر وفي أحد وفي حنين، وقلت إني لا أشهد مثلها، فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حزنت عليه ولم أستطع أن أقيم بالمدينة بعد فقده فقدمت مكة فأقمت بها فعوتبت في منامي من التخلف عن الجهاد، فخرجت إلى الشام وشهدت أجنادين والشام وسرية خالد خلف توما وهربيس وشهدت سرية عبد الله بن جعفر وكنت معه على دير أبي القدس فأنستني وقعتها ما شهدت قبلها من الوقائع بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أني نظرت إلى الروم حين حملنا عليهم في كثرتهم وعددهم وقلنا ما ثم غيرهم وليس لهم كمين عظيم. فرأينا أجسادهم هائلة وعليهم الدروع وما يبين منهم إلا حماليق الحدق لهم طقطقة وزمجرة عندما يحملون حتى نظرت إلى المسلمين قد غابوا في أوساطهم ولا أسمع منهم إلا الأصوات تارة يجهرون بها وتارة أقول هلكوا. ثم أنظر إلى الراية بيد عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - مرفوعة بذلك، وعبد الله يقاتل بالراية ويكر على المشركين ولا ينثني ... ويجاهد على صغر سنه! ولم تزل الحرب بيننا كلما طال مكثها اشتد ضرامها وعلا قتامها والتهبت نارها، وصار عبد الله في وسط القوم وهم حوله كالحلقة الدائرة والروم يحدقون به! فجعل كلما حمل يمينًا حملتُ يمينًا وإن حمل شمالًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت