فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 611

فقلت: أنفذ المسلمين إلى نصرة عبد الله بن جعفر ومن معه، ثم حدثته بالقصة فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون أيصاب عبد الله بن جعفر ومن معه تحت رايتك يا أبا عبيدة وهي أول إمارتك.

ثم التفت إلى خالد بن الوليد - رضي الله عنه - فقال له: يا أبا سليمان سألتك بالله الحق عبد الله بن جعفر فأنت المعد لها! فقال خالد: أنا لها إن شاء الله وما كنت أنتظر إلا أن تأمرني! فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: استحييت منك يا أبا سليمان! فقال: والله لو أمر عليَّ طفل صغير لأطيعن له، فكيف أخالفك وأنت أقدم مني إيمانًا وأسبق إسلامًا سبقت بإسلامك مع السابقين وسارعت بإيمانك مع المسارعين وسماك رسول الله بالأمين، فكيف ألحقك أو أنال درجتك، والآن أشهدك أني قد جعلت نفسي حسيبًا في سبيل الله تعالى لا أخالفك أبدًا، ولا وليت إمارة بعدها أبدًا! فاستحسن المسلمون قوله، فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: يا أبا سليمان الحق إخوانك رحمك الله. فوثب خالد - رضي الله عنه - كأنه الأسد وسار إلى رحله فأفرغ عليه درع مسيلمة الكذاب، وألقى بيضة على رأسه وأردفها قلنسوة وتقلد بحسامه وانصب في سرجه كأنه السيل، ونادى بجيش الزحف هلموا إلى جذب السيوف، فأجابوه مسرعين كأنهم العقبان وبادروا إلى طاعة الرحمن وأخذ خالد الراية بيده وهزها على ركابه ودار به عساكر الزحف من كل جانب وودع المسلمون بعضهم بعضًا وساروا وسار خالد وعبد الله بن أنيس يدلهم على الطريق.

قال رافع بن عميرة الطائي: كنت يومئذ من أصحاب خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ولم يزل مجدًا في السير والله - عز وجل - يطوي لنا البعيد، فلما كان عند غروب الشمس أشرفنا على القوم والروم كالجراد المنتشر قد غرق المسلمون في كثرتهم. فقال خالد: يا ابن أنيس في أي جانب أطلب ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت له إنه واعد أصحابه أن يلتقوا عند دير الراهب أو موعدهم الجنة. فنظر خالد نحو الدير فشاهد الراية الإسلامية، وهي بيد عبد الله بن جعفر، وما من المسلمين إلا وقد أصيب بجرح، وقد أيسوا من الحياة الفانية وطمعوا في الحياة السرمدية، والروم تناوشهم بالحرب وتكثر الطعن والضرب وعبد الله بن جعفر يقول لأصحابه: دونكم والمشركين واصبروا لقتال المارقين واعلموا أنه قد تجلى عليكم أرحم الراحمين، ثم قرأ الآية قوله تعالى:"كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة:249) ، فلما نظر خالد - رضي الله عنه - إلى صبرهم وتجلدهم على قتال أعدائهم لم يطق الصبر دون أن حمل عليهم وهزَّ رايته، وقال لأصحابه: دونكم القوم القباح فأرووا من دمائهم السلاح، وأبشروا بالنجاح يا أهل حي على الفلاح!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت