فهرس الكتاب
جيوش الملك هرقل ونعطف عليهم وهم آمنون فنبيدهم عن آخرهم. فقالوا: افعل ما فيه الصلاح.
واتفق أهل قنسرين والبطريق على صلح المسلمين وفي قلوبهم الغدر. وإن لوقا البطريق دعا برجل من أصحابه اسمه اصطخر، وكان قسيسًا عالمًا بدين النصرانية فصيح اللسان قوي الجنان يعرف العربية والرومية، وقد عرف الدينين اليهودية والنصرانية. فقال لوقا: يا أبانا سر إلى العرب وقل لهم يصالحونا سنة كاملة حتى نبعد القوم بالحيلة والخداع. ثم كتب الكتاب إلى الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - فقال بعد كلمة كفره: أما بعد يا معاشر العرب إن بلدنا منيع كثير العدد والرجال فما تأتونا من قبله ولو أقمتم علينا مائة سنة ما قدرتم علينا، وإن الملك هرقل قد استنجد عليكم من حد الخليج إلى رومية الكبرى ونحن قد بعثنا إليكم نصالحكم سنة كاملة حتى نرى لمن تكون البلاد، ونحن نريد منكم أن تجعلوا بيننا وبينكم علامة من حد أرض قنسرين والعواصم حتى إذا همت العرب بالغارة بدت العلامة تريكم حد أرضنا، ونحن نصالحكم خفية من الملك هرقل لئلا يعلم فيقتلنا والسلام.
ثم خلع على اصطخر خلعة سنية وأعطاه بغلة من مراكبه وعشرة غلمان، وسار حتى وصل إلى حمص فرأى الأمير أبا عبيدة - رضي الله عنه - يصلي بالمسلمين صلاة العصر فوقف اصطخر ينظر ما يفعلون ويعجب من ذلك، فلما فرغوا من صلاتهم ونظروا إلى القسيس وثبوا إليه، وقالوا له: من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ فقال: أنا رسول ومعي كتاب، فمثلوه بين يدي أبي عبيدة فهم القسيس بالسجود له فمنعه أبو عبيدة - رضي الله عنه -، من ذلك، وقال له: نحن عبيد الله - عز وجل - فمنا شقي ومنا سعيد:"يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ" (هود:105 - 106) فلما سمع اصطخر ذلك بهت وبقي لا يرد جوابًا، وهو متعجب مما تكلم به الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه -. فناداه خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وقال له: ما شأنك أيها الرجل ورسول من أنت؟ فقال اصطخر: أأنت أمير القوم؟ فقال خالد: لا بل هذا أميرنا، وأشار إلى أبي عبيدة - رضي الله عنه -. فقال اصطخر: أنا رسول صاحب قنسرين والعواصم، ثم أخرج الكتاب ودفعه إلى أبي عبيدة - رضي الله عنه - فأخذه وقرأه على المسلمين.
فلما سمع خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ما في الكتاب من صفة مدينتهم وكثرة عددهم ورجالهم وتهديدهم بجيوش الملك هرقل حرك رأسه وقال لأبي عبيدة: وحق من أيدنا بالنصر وجعلنا من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - الطاهر إن هذا الكتاب من عند رجل لا يريد الصلح بل يريد حربنا! ثم قال لاصطخر: تريدون أن تخدعونا حتى إذا جاءت جنود صاحبكم ورأيتم القوم وقد جاؤوكم