فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 611

نقضتم صلحنا وكنتم أول من يقاتلنا، وإن رأيتم الغلبة لنا هربتم إلى طاغيتكم هرقل! فإن أردتم ذلك فنواعدكم الحرب مواعدة من غير أن يكون صلحًا سنة كاملة، فإن لحق بكم جيش هذه السنة من الملك هرقل، فلابد من قتاله فمن أقام في المدينة ولم يقاتل مع الجيش فهو على صلحنا لا نتعرض له. قال اصطخر: قد أجبناكم إلى ذلك فاكتبوا لنا كتابًا بذلك.

فقال خالد بن الوليد - رضي الله عنه: أيها الأمير اكتب لهم كتابًا بمواعدة الحرب سنة كاملة أولها مستهل شهر ذي القعدة سنة أربع عشرة من الهجرة النبوية. فكتب له أبو عبيدة - رضي الله عنه - بذلك، فلما فرغ من الكتاب قال له اصطخر: أيها الأمير حد بلادنا معروف وبإزائنا صاحب حلب وبلاده بحد بلادنا ونريد أن تجعل لنا علامة فيما بيننا وبينكم حتى إذا طلب أصحابكم الغارة لا يتجاوزون ذلك. فرضي أبو عبيدة - رضي الله عنه - بذلك، وقال: أنا أبعث من يحدد لكم ذلك، قال اصطخر: أيها الأمير ما نريد معنا أحدًا من أصحابك نحن نصنع عمودًا وننصبه ويكون عليه صورة الملك هرقل، فإذا رآه أصحابك لا يجاوزونه. فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: افعل ذلك، ثم دفع إليه الكتاب ونادى في عساكر المسلمين وأصحاب الغارات من نظر إلى العمود فلا يتعداه ولا يتجاوزه بل يشن الغارة على أرض حلب وحدها ولا يتجاوز العمود فليبلغ الشاهد الغائب. ورجع اصطخر إلى البطريق قنسرين وأعلمه بما جرى له مع خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ودفع له الكتاب، ففرح بذلك وقصد إلى عمود عظيم وصنع عليه صورة الملك هرقل كأنه جالس على كرسي مملكته.

وكانت خيل المسلمين تضرب غارتها إلى أقصى بلاد حلب والعمق وأنطاكية ويحيدون عن حد قنسرين والعواصم ولا يقربون العمود. قال عمر بن عبد الله الغبري عن سالم بن قيس عن أبيه سعد بن عبادة - رضي الله عنه - قال: كان صلح المسلمين لأهل قنسرين والعواصم على أربعة آلاف دينار ملكية ومائة أوقية من الفضة وألف ثوب من متاع حلب وألف وسق من طعام.

قال الواقدي: حدثنا عامر قال: كنا في بعض الغارات إذ نظرنا إلى العمود وعليه صورة الملك هرقل فجئنا عنده وجعلنا نجول حوله بخيولنا ونعلمها الكر والفر، وكان بيد أبي جندلة قناة تامة فقرب به الجواد من الصورة، وهو غير متعمد ذلك ففقأ عين الصورة، وكان عندها قوم من الروم وهم غلمان صاحب قنسرين يحفظون العمود فرجعوا إلى البطريق وأعلموه بذلك فغضب غضبًا شديدًا ودفع صليبًا من الذهب إلى بعض أصحابه وضم إليه ألف فارس من أعلاج الروم وعليهم الديباج الرومي وعليهم المناطق المجوفة وأمر اصطخر أن يسير معهم وقال له: ارجع إلى أمير العرب وقل له غدرتم بنا ولم توفوا بذمامكم، ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت