فهرس الكتاب
غدر جُنْدِلَ، فأخذ اصطخر الصليب وسار مع ألف فارس من الروم حتى أشرف على أبي عبيدة - رضي الله عنه -، فلما نظر المسلمون إلى الصليب وهو مرفوع أسرعوا إليه ونكسوه فاستقبل أبو عبيدة القوم وقال: من أنتم؟ قال اصطخر: أنا رسول صاحب قنسرين إليك، وهو يقول لك غدرتم ونقضتم العهد الذي بيننا وبينكم! فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: وحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما علمت بذلك وسوف أسأل عنه! ثم نادى: يا معاشر الناس من فقأ عين التمثال فليخبرنا بذلك، فقالوا: أيها الأمير أبو جندلة وسهل بن عمرو صنعا ذلك من غير أن يتعمداه.
فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه - لاصطخر: إن صاحبنا فعل ذلك من غير أن يتعمد فما الذي يرضيك منا؟ فقالت الأعلاج: لا نرضى حتى نفقأ عين ملككم يريدون بذلك أن يتطرقوا إلى رقاب المسلمين. فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: ها أنا فاصنعوا بي مثل ما صنع بصورتكم. قالوا: لا نرضى بذلك إلا بعين ملككم الأكبر الذي يلي أمر العرب كلها. فقال: إن عين ملكنا تمنع من ذلك. وغضب المسلمون حين ذكر الأعلاج عين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهموا بقتل الأعلاج، فنهاهم أبو عبيدة - رضي الله عنه - عن ذلك فقال المسلمون: أيها الأمير نحن دون إمامنا فنفديه بأنفسنا ونفقأ عيوننا دون عينه. فقال اصطخر عندما نظر إلى المسلمين وقد هموا بقتله وقتل من معه من الأعلاج: لا نفقأ عين عمر ولا عيونكم، ولكن نصور صورة أميركم على عمود ونصنع به مثل ما صنعتم بصورة ملكنا. فقال المسلمون: إن صاحبنا فعل ذلك من غير تعمد وأنتم تريدون العمد. فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: مهلًا يا قوم، فإذا رضي القوم بصورتي فقد أجبتهم إلى ذلك ولا يتحدث القوم عنَّا أننا عاهدنا وغدرنا فإن هؤلاء القوم لا عهد لهم ولا عقل، ثم أجابهم إلى ذلك. فصوروا أبا عبيدة - رضي الله عنه - على عمود وجعلوا له عينين من زجاج وأقبل فارس منهم حنقًا ففقأ عين الصورة، ثم رجع اصطخر إلى صاحب قنسرين وأخبره بذلك، فقال لقومه: بهذا نالهم ما يريدون.
وأقام أبو عبيدة على حمص يغير يمينًا وشمالًا ينتظر خروج السنة لينظر ما بعد ذلك، وأبطأ خبره على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ولم يرد عليه شيء من الكتب والفتح، فأنكر عمر ذلك وظن به الظنون وحسب أنه قد داخله خبر وقد ركن إلى القعود عن الجهاد، فكتب إليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى أمين الأمة أبي عبيدة عامر بن الجراح سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وآمرك بتقوى الله - عز وجل - سرًا وعلانية، وأحذركم عن معصية الله - عز وجل - وأحذركم وأنهاكم أن تكونوا ممن قال الله في حقهم"قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ"