فهرس الكتاب
هربيس فناوله الكتاب فجمع هربيس أهل الحرب والبطارقة وقرأ عليهم كتاب أبي عبيدة - رضي الله عنه -، وقال: أشيروا عليَّ برأيكم!
فقال له بطريق من بطارقته، وهو صاحب مشورة الرأي: عندي أن لا نقاتل العرب لأنَّ ليس لنا طاقة بقتالهم ومتى صالحناهم كنا في أمن وخصب ودعة كما قد صار أهل أركة وتدمر وحوران وبصرى ودمشق، وإن نحن قاتلناهم وأخذونا في الحرب قتلوا رجالنا واستعبدونا وسبوا حريمنا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من الحرب، فقال هربيس: لا رحمك المسيح فما رأيت أجبن منك ولا أقل جلدًا؟! يا ويلك كيف تأمرنا أن نسلم مدينتنا إلى أوباش العرب! ولاسيما وقد عرفت حربهم وقتالهم واختبرت نزالهم وإنِّي في هذه النوبة لو حملت في ميسرتهم كنت هزمتهم! فقال له البطريق: نعم كانت الميسرة والقلب يخافون منك! ثم تخاصما وتشاتما وافترق أهل بعلبك فرقتين فرقة يطلبون الصلح وفرقة يطلبون القتال ورمى هربيس الكتاب إلى المعاهد بعد أن مزقه وأمر غلمانه أن يدلوه إلى ظاهر المدينة ففعلوا ذلك. ووصل المعاهد إلى عسكر المسلمين وأتى أبا عبيدة - رضي الله عنه - وحدثه بما كان من القوم، وقال: أيها الأمير إن أكثر القوم عوَّلوا على القتال، فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه - للمسلمين: شدوا عليهم، واعلموا أن هذه المدينة في وسط أعمالكم وبلادكم، فإن بقيت كانت وبالًا على من صالحتم ولا تقدرون على سفر ولا على غيره، فلبس أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السلاح والعدد ورجعوا إلى الأسوار وعطف أهل بعلبك عليهم وتراموا بالسهام والأحجار، وإن هربيس قد نصب كرسيه وسريره على برج من أبراج القلعة من ناحية النملة، وقد عصب جراحته ولبس سلاحه ولأمته ولبس على رأسه صليبًا من الجواهر وحوله البطارقة والديرجانية بالدروع المذهبة والعدد الكاملة وفي أعناقهم صلبان الذهب والجوهر وبأيديهم القسي والسهام.
قال عامر بن وهب اليشكري: شهدت حرب بعلبك، وقد زحف المسلمون إلى سورها، ونشاب الروم كالجراد المنتشر، وكان أناس من العرب بلا سلاح فأصابهم سهام القوم. ورأيتُ القوم يتساقطون علينا من السور تساقط الطير على الحب فذهبت إلى رجل سقط لأضرب عنقه فصاح: الغوث الغوث وكنَّا قد عرفنا من الحرب أن من قال: الغوث يعني الأمان، فقلت له: يا ويلك لك الأمان فما الذي ألقاك إلينا من سوركم؟ فجعل يكلمني بالرومية، وأنا لا أدري ما يقول. فسحبته إلى خيمة أبي عبيدة، وقلت له: أيها الأمير، اطلب من يعرف لغة هذا العلج فإني رأيتهم يرمي بعضهم بعضًا!