فهرس الكتاب
فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه - لمن حضر من المترجمة: أخبرنا بخبر هذا العلج وما قضيته، ولم يرمي بعضهم بعضًا؟! فقال له الترجمان: يا ويلك قد أعطيناك الأمان فاصدقنا في الكلام وقل لنا لم يرمي بعضكم بعضًا؟ قال: إن بعضنا لا يرمي بعضًا ولكنا من أهل السواد والقرى، فلما سمعنا بمسيركم ورجوعكم عن أهل قنسرين التجأنا إلى هذه المدينة من جميع الرساتيق لنتحصن فيها لما نعلم من كثرة ما بها من الجيش فضيق بعضنا على بعض وسددنا طرقات المدينة ومضى بعضنا إلى السور، فإذ ليس لنا موضع نأوي إليه ولا مسكن نسكن فيه فجعلنا الأبراج والأسوار مسكنًا لنا. فلما زحفتم إلى القتال برز إليكم أهل الحرب والنزال من هذه المدينة فجعلوا يدوسوننا بأرجلهم، وإذا اشتدت الحرب عليهم والقتال يدفع الرجل منهم الرجل منَّا فيلقيه إليكم.
فلما سمع الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه - ذلك فرح فرحًا شديدًا وقال: أرجو من الله أن يجعلهم غنيمة لنا! وأخذت الحرب مأخذها وطحنت رجالها وعلا الضجيج وحمى الروم أسوارهم فلم يقدر أحد من المسلمين أن يصل إليها من كثرة السهام والحجارة. قال غياث بن عدي الطائي: حاربنا أهل بعلبك في أول يوم فأصيب من المسلمين اثنا عشر رجلًا، وأصيب من الروم على السور خلق كثير من أهل الحرب وغيرهم، وانصرف المسلمون إلى رحالهم وما لهم همة إلى الطعام ولا الشراب ولا يريد أحد منا إلا الاصطلاء بالنار من شدة البرد. وبتنا ليلتنا نوقد النار ونتناوب في الحرس إلى الصباح، فلما صلينا الفجر نادى مناد من قبل أبي عبيدة - رضي الله عنه - يقول: عزيمة مني على كل رجل من المسلمين لا يبرز إلى حرب هؤلاء القوم حتى ينفذ إلى رحله ويصلح له طعامًا حارًا يأكله ليكون بذلك شديدًا على لقاء العدو.
فابتدرنا لإصلاح أمورنا، فلما نظر أهل بعلبك إلى تأخرنا عن حربهم وقتالهم طمعوا فينا وظنوا أن ذلك فشل منا وعجز، فصاح هربيس في الروم وقال: اخرجوا لهم بارك المسيح فيكم. قال غياث بن عدي: فلم يشعر المسلمون إلا والأبواب قد فتحت والخيل والرجال قد طلعت إلينا كالجراد المنتشر. قال: وكان بعضنا قد مد يده إلى الطعام وبعضنا ينضج له القرص وإذا بمناد ينادي: يا خيل الله اركبي وللجهاد تأهبي، فدونكم والقوم قبل أن يدهموكم. قال حمدان بن أسيد الحضرمي: وكان لي قرص خبزته وقدمت شيئًا من الزيت لأجعله أدامي للقرص وإذا بالمنادي ينادي: النفير النفير! فوالله ما راعني ذلك حتى أخذت قطعة وغمستها في الزيت وهويت بها إلى فمي، سمعت النفير فقمت مسرعًا وركبت جوادي عريانًا من دهشتي لسرعة الإجابة وضربت بيدي على عمود من أعمدة الخيام وحملت على