فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 611

القوم، فوالله ما شعرت بما صنعت ولا عقلت على نفسي حتى صرت في الروم فجعلت أحطمهم حطمًا وأهبرهم بالسيف هبرًا.

فنظرتُ إلى خيل الروم متفرقة والأمير أبو عبيدة قد نصب رايته والناس يهرعون إليها، ونادى أبو عبيدة - رضي الله عنه - برفيع صوته: اليوم يوم له ما بعده. وعندما نظر إلى شدة ضرب الروم وصبرهم على قتال المسلمين، حمل عليهم بالخيل العربية وأحاط بالروم من كل ومكان، وكان في جملة خيله عمرو بن معد يكرب الزبيدي وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وربيعة بن عامر ومالك بن الأشتر وضرار بن الأزور وذو الكلاع الحميري - رضي الله عنهم - فلله درهم فلقد قاتلوا قتالًا شديدًا وأبلوا بلاءً حسنًا، فلما نظرت الروم إلى فعلهم رجعوا على أعقابهم طالبين الأسوار وغلقوا الأبواب! ورجع المسلمون إلى عسكرهم وأضرموا نيرانهم ودفنوا من استشهد منهم، وأقبل رؤساء المسلمين إلى الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - وقالوا: أيها الأمير ما الذي قد عزمت عليه وما عندك من الرأي يرحمك الله؟ فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: اعلموا أن الرأي أن نتأخر عن المدينة مقدار فرسخ ليكون ذلك مجالًا لخيلكم ومنعة لحريمكم والنصر من عند الله تعالى .. ثم دعا أبو عبيدة - رضي الله عنه - بسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعقد له راية وأمَّره على خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل وأمرهم أن يهبطوا إلى الوادي وأن يقاتلوا القوم على الأبواب وأن يشغلوهم عن المسلمين. ثم دعا ضرار بن الأزور وعقد له راية وأمره على خمسمائة فارس ومائة راجل وسرحه إلى باب الشام، وقال: يا ابن الأزور أظهر شجاعتك على بني الأصفر فقاتل من هناك من الروم! فقال: حبًا وكرامة. ومضت كل فرقة إلى جهة من الجهات، فلما أصبح الصباح فتح الروم الأبواب وخرجوا في خلق كثير إلى أن تكاملوا حول بطريقهم هربيس. فقال لهم البطريق: اعلموا يا معاشر النصرانية أن أهل هذا الدين من قبلكم قد فشلوا عن قتال هؤلاء العرب وعجزوا عن قتالهم ونزالهم. فقالوا: أيها السيد طب نفسًا وقر عينًا فإنا كنا نخاف من العرب قبل أن نختبرهم ونعلم قتالهم، وقد علمنا أنهم إذا لاقوا حربنا لم يكونوا أصبر منا على الحرب، لأن أحدهم يلقى الحرب وعليه ثوب خلق خام أو فروة خلقة، ونحن علينا الدروع والزرد وقد وهبنا أنفسنا للمسيح.

قال الواقدي: فلما نظر أبو عبيدة إلى كثرتهم نادى برفيع صوته: يا معاشر المسلمين لا تفشلوا فتذهب ريحكم واصبروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. قال: وإن الروم داخلهم الخوف لما كانوا قد نالوه من غرة المسلمين بالأمس فحملوا حملة عظيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت