فهرس الكتاب
قال الواقدي: فبينما الأمير كذلك يحدث سهل بن صباح وإذا برجل من المسلمين منحدر من الجبل وهو ينادي: النفير النفير يا أمة البشير النذير أدركوا إخوانكم المسلمين فقد أحاط بهم الروم وهم في أشد ما يكون من القتال، وإنه قد دنا البطريق من المسلمين ونادى بأصحابه ورجاله وقال: يا عباد المسيح إليكم هذه الشرذمة اليسيرة والعصابة الحقيرة التي قد أحاطت بكم فاقتلوهم وادخلوا المدينة فإنكم إن قتلتم القوم كسرتم بذلك حدة العرب وانصرفوا عنكم. قال مصعب بن عدي: وكنت في بعلبك من أصحاب سعيد بن زيد، وقد جعلنا محاصرين البطريق والروم في الضيعة ونحن دون الخمسمائة رجل فما شعرنا إلا والبطريق والروم قد تبادروا إلينا من كل مكان فنادى بعضنا بعضًا واجتمعنا، والله لقد كبوا علينا الخيل وأحاطوا بنا بعدما كنا أحطنا بهم وكان شعارنا في ذلك اليوم الصبر الصبر! فبينما نحن كذلك في أشد الحرب وأعظم الكرب إذ سمعنا صوتًا عاليًا قد ملأ الجبل ومناديًا ينادي ويقول: أما من رجل يهب نفسه في الله ويستنفر المسلمين فإنهم بالقرب منا ولا يعلمون ما نزل بنا. قال مصعب بن عدي: فلما سمعت الصوت همزت جوادي بكعبي، وكان جوادًا عتيقًا يسبق الريح، والله لقد خرج من تحتي كأنه البرق ولم تلحق منه الروم إلا الغبار بعدما قتلت منهم رجلين، ولقد نظرت إلى فرسي، وهو يشب إلى الصخرة ويسلك الوعرة حتى أشرفت على عساكر المسلمين فناديت النفير النفير يا أمة البشير النذير.
فلما سمع أبو عبيدة ذلك صاح بالرماة، فأجابه خمسمائة رام من أصحاب القسي العربية فضمهم إلى سعيد بن زيد، وقال له: أسرع يرحمك الله والحق بأصحابك قبل أن يأتي العدو عليهم. ثم نادى بضرار بن الأزور وأصحابه، وقال له: أدرك أخاك سعيد بن زيد. فسار المسلمون مثل الجراد المنتشر حتى علوا على شلة الجبل وأشرفوا على الروم وهم محدقون بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو زيد بن ورقة بن عامر الزبيدي: وكنت ممن شهد القتال على الضيعة مع أصحاب سعيد بن زيد، وقد أحاطت بنا الروم، وقد صبرنا لهم صبر الكرام. وقد صرع منا سبعون رجلًا ما بين جريح وقتيل، ونحن في أشد ما يكون من القتال والجراح، وقد طمعت الروم فينا حتى سمعنا التهليل والتكبير ولحقنا النفير، فلما أشرفت علينا راية المسلمين ورجعت الروم على أعقابهم مدبرين إلى الضيعة راجعين لحقنا من تأخر منهم وكثر فيهم القتل والجراح لكثرتهم وتحصن القوم في الضيعة فأحطنا بهم من كل جانب وما تركنا منهم أحدًا يخرج رأسه من كثرة النبل!