فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 611

وورد الخبر إلى الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - بمن استشهد من المسلمين ومن قتل من الكافرين، وأن القوم قد لزمهم الحصار، وأن لا زاد عندهم ولا ماء، فقال أبو عبيدة: الحمد لله. ثم قال للمسلمين: معاشر الناس ارجعوا إلى أموالكم واضربوا خيامكم حول المدينة، فإن الله - عز وجل - كاد عدوكم، وهو منجز لنا ما وعدنا من نصره. فعندها رجع المسلمون إلى أموالهم ومواضعهم التي كانوا فيها أول مرة وضربوا خيامهم وأنفذوا طوالعهم وأرسلوا إلى المرعى خيولهم وإبلهم وسرحوا إلى الحطب عبيدهم وأضرموا النيران في عسكرهم وذهب منهم الخوف وأتاهم الأمان، وإن أهل بعلبك افترقوا على السور وجعلوا يضربون على وجوههم ويصيحون بلغتهم، فقال الأمير أبو عبيدة لبعض التراجمة: ما يقول هؤلاء؟ فقال له الترجمان: أيها الأمير إنهم يقولون: يا ويلهم ويا عظم ما أصابهم ويا خراب ديارهم ويا فناء رجالهم حتى ظفرت العرب ببلادهم.

قال الواقدي: فلما دنا المساء أرسل الأمير أبو عبيدة إلى سعيد بن زيد يقول له: يا ابن زيد الحذر الحذر على من معك من المسلمين واجتهد رحمك الله أن لا يفوتك من الروم أحد ولا تفسح لهم قدمًا واحدًا فيخرج منهم واحد ... فيتبع أولهم آخرهم، فتكون كمن حصل في يده شيء فأضاعه! فلما وصل الرسول إلى سعيد بن زيد بهذه الرسالة، أمر المسلمين أن يحيطوا بالضيعة من كل جانب، وأن لا يخرجوا إلى الحطب إلا مائة بالسلاح ففعلوا ذلك وأضرموا نيرانهم وباتوا طول ليلتهم يهللون ويكبرون وبالضيعة يطوفون، فلما نظر البطريق"هربيس"إلى ذلك أقبل على أصحابه ورجاله وقال لهم: يا ويلكم لقد أيسنا من التدبير وأخطأنا الرأي وما لنا مدد ولا نجدة ولا نصير ولو اجتهدنا لما اجتهدت العرب على أن يحبسونا في هذه الضيعة، والآن قد حبسنا أنفسنا في حبس ليس فيه طعام ولا شراب، وإن دام علينا هذا يومًا ثانيًا أو ثالثًا ضعف قوينا ومات ضعيفنا وبطلت حيلتنا وسلمنا أنفسنا كارهين فنقتل عن آخرنا!

فقالت البطارقة: فما الذي ترى أيها السيد؟ فقال: قد رأيت من الرأي أن أخدع العرب وأحتال عليهم وأسألهم الصلح لنا ولأهل مدينتنا كما قد طلبوا وأضمن أن أفتح لهم المدينة، ونكون في ذمامهم فإذا دخلنا المدينة حاربناهم على سورنا ولعلنا نرسل إلى صاحب عين الجوز وإلى صاحب جوسية فلعلهما يقدمان إلى نصرتنا فيكونان لقتال العرب من خارج المدينة ونحن من أعلى الأسوار، ويكفينا المسيح هذه النوبة. فقالت البطارقة: اعلم أيها السيد أن صاحب جوسية لا يجيبك إلى نجدة أبدًا لأنه مشتغل بنفسه وربما يكون محاصرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت