فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 611

مثل حصارنا هذا، فلقد بلغنا قبل نزول هؤلاء العرب علينا أنهم صالحوهم وليس لهم من القدرة والقوة أن يقاتلوا العرب، وأما أصحاب عين الجوز فإنهم في تجارتهم متفرقون في أقصى الشام وما أظن إلا أنهم في صلح العرب، فانظر لنفسك ورعيتك ما فيه الصلاح. فلما سمع البطريق هربيس قولهم أجابهم إلى ذلك.

فلما أصبح الصباح طلع البطريق على جدار الضيعة ونادى برفيع صوته: يا معاشر العرب أما فيكم رجل يعرف كلامي أنا هربيس البطريق! فلما سمعه بعض التراجمة أقبل على سعيد بن زيد وقال له: يا مولاي إن هذا العلج هربيس صاحب القوم وهو يستدعي كلامك. فقال له سعيد بن زيد: ادن منه وانظر ماذا يريد وما يقول. فدنا الترجمان منه، فقال له: ما الذي تريد؟ قال: أريد أن يؤمنني أميركم هذا في ذمامه وذمام أصحابه ويدنو مني حتى أخاطبه بما يعود صلاحه على الفريقين. فقال الترجمان ذلك لسعيد بن زيد، فقال سعيد بن زيد: لا كرامة له حتى أدنو منه وأمشي إليه حتى يخاطبني فإن كانت له حاجة فليأت إليَّ خاضعًا ذليلًا صاغرًا حتى أسمع كلامه وأعلم مراده. فأعلم الترجمان هربيس بكلام سعيد بن زيد، فقال هربيس: فكيف أنزل إليه وأنا محارب له فأنا أخاف أن يقتلني؟! فقال له الترجمان: أنا أخذ لك منه الذمام فإن العرب لا تخون إذا أمنت. فقال البطريق: نعم قد تناهت إلينا أخبارهم ولكني أريد أن أستوثق لنفسي ولأصحابي وأهل بلدي لأنهم قوم قد لحقهم الحقد علينا وقد أصبنا منهم دمًا كثيرًا وإني أريد أن أرسل له شخصًا يأخذ لي منه أمانًا. فقال الترجمان: أنا أعرفه ذلك. ثم أقبل الترجمان على سعيد بن زيد وقال له: إن البطريق هربيس يريد أن يوجه إليك رجلًا من أصحابه يأخذ له منك أمانًا. فقال سعيد بن زيد دعه يوجه من يريد وأعلمه أن رسوله منَّا في أمان حتى يرجع إليه. فأعلمه الترجمان بذلك فأقبل البطريق على رجل من عظماء أصحابه، وقال له: ترى ما قد نزل بنا وكيف قد ملك العرب علينا الطريق وأن بلاد الشام قد أذن المسيح بخرابها وقد نصرت العرب علينا وأنا في شدة شديدة وإن لم نأخذ من القوم الأمان وإلا هلكنا وهلكت خيلنا، وبعد ذلك يتحكمون في أولادنا وحريمنا ويقتسمون أموالنا وذرارينا وليس لنا نجدة لأن كل بلد مشتغل بنفسه عن نصرتنا فانزل إلى هؤلاء العرب وخذ لنا منهم أمانًا واستوثق لنا منهم، حتى أنزل أنا إليهم فلعلنا نجري معهم صلحًا ولعلي أمكر بهم حتى نرجع إلى المدينة، ولعلي أرغِّب صاحبهم في شيء من المال فلعله يرغب وينصرف عنَّا إلى أن نرى ما يكون بينهم وبين الملك هرقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت