فهرس الكتاب
قال الواقدي: فنزل الرجل ووقف أمام الأمير سعيد بن زيد وهمَّ أن يسجد له فمنعه من ذلك وتبادرت إليه المسلمون فأمسكوه ففزع الرجل وقال: لم تمنعوني أن أعظِّم صاحبكم؟! فقال الترجمان ذلك لسعيد بن زيد، فقال: إنما أنا وهو عبدان لله تعالى ولا يجوز السجود والتعظيم إلا لله الملك المعبود القديم! فقال الرجل: بهذا نصرتم علينا وعلى غيرنا من الأمم! فقال سعيد بن زيد: فما الذي جاء بك؟ قال: جئت لآخذ منك أمانًا لبطريقنا أن لا تنقض لنا عهدًا. فقال سعيد بن زيد: ليس من أخلاق الأمراء ومن يقود الجيوش أن يغدر بعد الأمان، ولسنا بحمد الله ممن ينقض عهدًا، وقد أعطيت صاحبك أمانًا ولمن معه ممن ألقى السلاح وخرج يطلب الأمان مستسلمًا. فقال الرجل: نريد منك الأمان ومن أميرك وممن معك. فقال سعيد: لكم ذلك. فعند ذلك رجع الرجل إلى البطريق وأعلمه بجواب سعيد. وقال له: اخرج وإياكم والغدر فإنه يهلك صاحبه، وإن هؤلاء العرب لا يخونون أمانهم وعهدهم.
قال الواقدي: ولقد بلغني أن البطريق هربيس خلع ما كان عليه من الثياب والديباج وألقى السلاح ولبس ثياب الصوف وخرج حافيًا حاسرًا ذليلًا ومعه رجال من قومه حتى وقف بين يدي سعيد بن زيد فخرَّ سعيد لله ساجدًا وقال: الحمد لله الذي أزال عنا الجبابرة وملكنا بطارقتهم وملوكهم! ثم أقبل عليه وقال له: ادن مني. فدنا إلى أن جلس إلى جانبه وقال له: أهذا لباسك دائمًا أم غيرته؟! فقال: لا وحق المسيح والقربان ما لبست الصوف أبدًا غير الحرير والديباج وما لبست هذا إلا في وقتي هذا فإني ما أريد حربكم ولا قتالكم، ثم قال لسعيد: هل لك أن تصالحني على أصحابي هؤلاء وعلى أهل المدينة ومن فيها. فقال سعيد: أما أصحابك هؤلاء فإني أوفيهم على شرط أن من دخل في ديننا فله ما لنا، ومن اختار الإقامة على دينه وألقى السلاح كان آمنًا من القتل وعليه العهد أنه لا يحمل علينا سلاحًا ولا يكون لنا حربًا أبدًا، وأما المدينة فالأمير أبو عبيدة عليها وقد فتحها إن شاء الله تعالى، ثم قال: إن أحببت أن تسير معي إلى أبي عبيدة حتى يسمع كلامك وتصالح عن قومك فسر وأنت في ذمامي، فإن اتفق بينكما الأمر؛ وإلا رددتك إلى موضعك هذا ومن أراد الرجوع معك من رجالك إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين. فقال البطريق: أنا أفعل ذلك. فعندها دعا سعيد بن زيد بابن أبي وقاص بن عوف العدوي، وقال: يا ابن أبي وقاص كن بشيرًا للأمير أبي عبيدة بما سمعت وأسرع بالجواب. فأسرع ابن أبي وقاص وركب جواده وكان حصانًا شديد العدو وجعل يسير سيرًا حثيثًا حتى أشرف على الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - ووقف بين يديه وسلم عليه، وقال: أصلح الله تعالى شأن الأمير أبشرك بأن البطريق هربيس قد أخذ