فهرس الكتاب
الأمان من سعيد بن زيد وهو يريد أن يقبل به عليك يسألك الصلح والأمان له ولأهل مدينته. فلما سمع الأمير ذلك سجد لله شكرًا ورفع رأسه، وقال: أيها الناس تقدموا الآن إلى قتال أهل المدينة وأظهروا أسلحتكم عليها وكبروا تكبيرة واحدة لكي ترعبوا بها القوم. ففعل المسلمون ذلك فارتجت المدينة وفزع أهل بعلبك وتداعوا للقتال وأحاط المسلمون بالمدينة من كل جانب، وكان أول من سبق إلى المدينة وأعطاهم خبر البطريق؛ المرقال ابن عتبة وقال: حصنوا أنفسكم وأولادكم وأموالكم بالصلح فإن أبيتم ذلك فقد وعدنا الله تبارك وتعالى على لسان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يفتح لنا بلادكم وأمصاركم وغيرها وإن الله تعالى منجز أمره. فلما سمع أهل بعلبك ذلك فزعوا فزعًا شديدًا واغبرت وجوههم ورعبت قلوبهم وكلَّت من الحرب أيديهم، وقالوا: أهلكنا البطريق وأهلك نفسه ولو كنا صالحنا العرب من قبل أن يوجد بنا هذا الحصار لكان خيرًا لنا! وشدد المسلمون عليهم القتال.
فلما علم أبو عبيدة أن نيران الحرب قد أضرمت على المدينة أرسل إلى سعيد بن زيد يقول له أسرع بالبطريق إلينا وله الأمان الذي أمنت أنت، فنحن لا ننقض لك عهدًا! فلما ورد رسول أبي عبيدة على سعيد بن زيد استخلف على الضيعة رجلًا من أصحابه وسار سعيد مع البطريق حتى وردا على الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - فلما وقف البطريق بين يديه ونظر إلى زيه وزي من معه وشهد قتالهم وعظم ما تلقى المدينة من حربهم وقتالهم حرَّك البطريق رأسه وعضَّ على أنامله.
فقال أبو عبيدة لترجمانه: ما لهذا يحرك رأسه ويعض أنامله كأنه يتأسف على شيء فاته؟ فأعلمه الترجمان بذلك فأقبل على الترجمان، وقال له: وحق المسيح وما مسح وحق البيعة والمذبح لقد ظننت أنكم أكثر عددًا من الحصى وأكثر مددًا! ولقد كان يخيل لنا عند حربكم وشدة ما نلقى منكم أنكم على عدد الحصى والرمل من كثرتكم، ولقد كنا نرى خيلًا شهبًا وعليها رجال وبأيديهم رايات صفر وعليهم ثياب خضر فلما صرت بينكم لم أر من ذلك شيئًا وما أراكم إلا في قلة عدد وما أدري ما فعل جمعكم أبعثتموه إلى عين الجوز أو إلى جوسية أو مكان آخر؟ فأخبر الأمير الترجمان بذلك. فقال أبو عبيدة للترجمان: قل له يا ويلك نحن معاشر المسلمين يكثِّرنا الله تعالى في أعين المشركين ويمدنا بالملائكة كما فعل بنا يوم بدر، وبذلك فتح الله تعالى بلادكم وحصونكم علينا وأذل ملوككم! فلما سمع البطريق كلام أبي عبيدة - رضي الله عنه - على لسان الترجمان قال: لقد وطئتم الشام الذي عجزت عنه ملوك الفرس والترك والجرامقة وما ظننا أن يكون ذلك أبدًا، وأما مدينتنا فهي حصينة لا تعبأ بالحصار لأنها مدينة