فهرس الكتاب
ليس بالشام مثلها، بناها سليمان بن داود -عليهما السلام- لنفسه وعملها دار مقامه وخزانة لملكه ولولا ما سبق من تفريطنا وخروجنا عنها إليكم وانحرافنا عنها ما صالحناكم أبدًا ولا هالنا حربكم ولو أقمتم علينا مائة سنة، والآن فقد كان ذلك فهل لكم أن تصالحونا حتى نصالحكم فتعدل فينا فهو أقرب رشدًا لنا ولكم، فوحق المسيح والإنجيل الصحيح لئن فتحنا لكم هذه المدينة لا يصعب عليكم في الشام حصن ولا مدينة!
فلما أخبر الترجمان الأمير أبا عبيدة - رضي الله عنه - بما قاله، قال أبو عبيدة للترجمان: قل له الحمد لله تعالى الذي ملكنا أرضكم ودياركم فلابد أن تؤدوا الجزية، وقد ظننت لنفسك أمانًا كاذبًا حتى أراك الله الذل والصغار بعد العز والاقتدار ولا بد لنا أن نملك مدينتكم إن شاء الله تعالى ونقتل الرجال ونأسر الأبطال، فمن أراد حربنا وقتالنا فلا يدخل في صلحنا أبدًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فقال البطريق لما سمع ذلك على لسان الترجمان: لقد تيقنت أن المسيح قد غضب على أهل هذه المدينة إذ بعث بكم إليها وملككم عليها، وقد اجتهدت في حربكم ومكرت بكم وما نفع مكري واجتهادي لأنكم قوم مسلطون، إنما طلبت منكم السلم وألقيت يدي في أيديكم بعد جهد مني، لا شفقة مني على نفسي ولا بقاء مني على ملكي ولكن أردت صلاح البلاد لأن الله تعالى لا يحب الفساد، والآن فهل لكم أن تصالحوا على المدينة وما فيها وعلى أصحابي هؤلاء. فقال له أبو عبيدة - رضي الله عنه: فما الذي تبذل لنا في صلحك؟ قال له البطريق: أيها الأمير انظر ما الذي تريده! فقال أبو عبيدة: لو أن الله فتح على المسلمين من الصلح على هذه المدينة بملئها ذهبًا وفضة ما كان أحب إليَّ من سفك دم رجل واحد، لكن الله تعالى أعطى الشهداء في الآخرة أكثر من ذلك. فقال البطريق: أنا أصالحكم على ألف أوقية من الفضة البيضاء وألف ثوب من الديباج.
قال الواقدي: فتبسم الأمير أبو عبيدة من كلامه وأقبل على المسلمين وقال لهم: أما تسمعون ما يقول هذا البطريق؟ قالوا: نعم. قال: فما رأيكم فيما شرط على نفسه؟ فقالوا: يزيد عليه وشرطه يرضينا، فأقبل الأمير على البطريق وقال له: أنا أصالحكم على ألفي أوقية من الذهب الأحمر وألفي أوقية من الفضة البيضاء وألفي ثوب من الديباج وخمسة آلاف سيف من مدينتكم وسلاح أصحابك الذين هم في الضيعة محاصرون، ولنا عليكم خراج أرضكم في العام الآتي وأداء الجزية في كل عام وأنتم بعد ذلك لا تحملون علينا سلاحًا ولا تكاتبون ملكًا ولا تحدثون حدثًا ولا كنيسة وترون النصح للمسلمين. فلما سمع البطريق ذلك من شرط الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - قال: لك ذلك كله علينا إلا أني أريد أن أشرط عليك وعلى