فهرس الكتاب
عبيدة - رضي الله عنه - ببقية الجيش فلما أشرف عليها قال:"اللهم عجل علينا فتحها واخذل من فيها من المشركين".
واستقبلهم المسلمون بأجمعهم وسلموا عليه وعلى من معه، ونزل أبو عبيدة - رضي الله عنه - على النهر المقلوب، فلما استقر به القرار كتب إلى أهل حمص وبطريقها الجديد وهو هربيس كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي عبيدة عامل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على الشام وقائد جيوشه: أما بعد فإن الله تعالى قد فتح علينا بلادكم ولا يغرنَّكم عظم مدينتكم وتشييد بنيانكم وكثرة رجالكم، فما مدينتكم عندنا إذا أتاكم الحرب إلا كالبرمة قد نصبناها في وسط عسكرنا وألقينا اللحم فيها وجميع العساكر يتوقع الأكل منها وقد داروا بها ينتظرون نضجها وأكل ما فيها، ونحن ندعوكم إلى دين ارتضاه لنا ربنا - عز وجل -، فإن أجبتم إلى ذلك ارتحلنا عنكم وخلفنا عندكم رجالًا منا يعلمونكم أمر دينكم وما فرض الله تعالى عليكم، وإن أبيتم الإسلام قررناكم على أداء الجزية، وإن أبيتم الإسلام والجزية فهلموا إلى الحرب والقتال حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
ثم طوى الكتاب وسلمه إلى رجل من المعاهدين، وكان ذلك الرجل يحفظ بالعربية والرومية وقال له: انطلق إلى حمص وائتنا بالجواب، فأخذ المعاهد الكتاب وسار حتى وصل إلى السور فهم أهل حمص أن يرموه بالسهام والحجارة. فقال لهم بالرومية: يا قوم أمسكوا عليكم فأنا رجل معاهد وقد جئتكم بكتاب من هؤلاء العرب. فدلوا له حبلًا فربط وسطه به وشالوه إليهم وأتوا به إلى بطريقهم، فلما وقف بين يديه خضع له وناوله الكتاب. فقال له البطريق: أرجعت عن دينك إلى دين هؤلاء العرب؟ قال: لا، ولكني في ذمتهم وعهدتهم أنا وأولادي وأهلي ومالي وما رأينا من القوم إلا خيرًا والصواب عندي أن لا تقاتلوهم، فإن القوم أولو بأس شديد لا يخافون ولا يرهبون الموت قد تمسكوا بدينهم والموت عندهم أفضل من الحياة، وقد أقسم القوم بدينهم لا يبرحون عن مدينتكم حتى تسلموها إليهم أو يفتحها الله على أيديهم، وحق ديني إنكم أحب إلي من العرب وأريد النصر لكم دون القوم، ولكني خائف عليكم من بأسهم وسطوتهم فسلموا تسلموا ولا تخالفوا تندموا.
فلما سمع البطريق هربيس كلامه غضب غضبًا شديدًا، وقال: وحق المسيح والإنجيل الصحيح لولا أنك رسول لأمرت بقطع لسانك على جراءتك علينا، فلما قرأ الكتاب وعلم ما فيه أمر كاتبه أن يكتب إلى الأمير أبي عبيدة بجواب كتابه، فكتب كلمة الكفر. ثم قال: يا معاشر العرب إنه وصل إلينا كتابكم وعلمنا ما فيه من التهديد والوعد والوعيد ولسنا كمن