فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 611

فقال له خالد: الآن فاخرج بأهلك عنا وحدث قومك بعدلنا فأخرجوه من الرستن فتوجه بأهله وأمواله إلى حمص، وأعلم أهلها بفتح الرستن فصعب ذلك على أهلها وعلموا أن العرب تصبحهم أو تمسيهم بالغارة وبعث عبد الله بن جعفر الطيار إلى أبي عبيدة يخبره بالفتح والنصر، فسجد لله شكرًا وبعث إليهم ألف رجل من اليمن ووصاهم بحفظ الرستن وأمَّر عليهم هلال بن مرة اليشكري. فلما استقروا بالرستن رحل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وعبد الله بن جعفر وأهلهم وعساكرهم وتوجهوا إلى حماة وكان أهل حماة في صلح المسلمين كما ذكرنا وكذلك أهل شيزر إلا أن بطريق أهل شيزر مات وبعث إليهم الملك هرقل بطريقًا عاتيًا جبارًا اسمه"نكس"ففسخ الصلح وأذاق أهل شيزر ضرًا وشرًا، وكان يصادر أموالهم ويحتجب عنهم لاهيًا في أكله وشربه! فلما بلغ الخبر الأمير أبا عبيدة بعث خيلًا جريدة إلى شيزر فغارت الخيل على بلدهم ووقعت الضجة بشيزر وسمع البطريق"نكس"الضجة فنزل إليهم من قلعته وأظهر لهم بعض حجابه وجلس في بيعتهم المعظمة عندهم وجمع الرؤساء منهم وقال لهم:"يا أهل شيزر أنتم تعلمون أن الملك هرقل قد استخلفني عليكم لحفظ مدينتكم وأمنع عن حريمكم وأموالكم"، ثم فتح خزانة السلاح وفرَّق عليهم العدد وأمرهم بالحرب والقتال، فبينما القوم كذلك إذ أشرف عليهم خالد في أصحابه ومعه جيش الزحف فنزلوا بإزائهم، وأشرف بعده يزيد بن أبي سفيان بأصحابه فنزل عليهم، وأشرف بعده الأمير أبو عبيدة في عساكره جميعهم!

فلما نظر أهل شيزر تلاحق العساكر بهم هالهم ذلك وعظم عليهم وحارت أبصارهم! فلما رأى أبو عبيدة - رضي الله عنه - ذلك كتب إلى أهل شيزر كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد يا أهل شيزر فإن حصنكم ليس بأمنع من حصن بعلبك ولا من الرستن ولا رجالكم أشجع فإذا قرأتم كتابي هذا فادخلوا في طاعتي ولا تخالفوني فيكون وبالًا عليكم وقد بلغكم عدلنا وحسن سيرتنا فكونوا مثل سائر من صالحنا ودخل في طاعتنا من سائر بلاد الشام والسلام. وطوى الكتاب وسلمه إلى رجل من المعاهدين وبعثه إليهم، فلما وصل الكتاب إليهم أعطوه بطريقهم نكس فقرئ عليه، فلما فهم ما فيه قال: ما تقولون يا أهل شيزر فيما ذكرت العرب؟ فقالوا: صدقت العرب أيها البطريق الكبير فإن حصننا ليس بأمنع من الرستن ولا بعلبك ولا دمشق ولا بصرى وأنت أعلم بشدة أهل حمص وحدة شجاعتهم، وقد صالحوا العرب وكذلك أهل فلسطين ومدنها والأردن وحصنها، فكيف تمنع عنهم شيزر وهي حصن لطيف فإن عصيت هؤلاء العرب فإنك معوَّل على هلاكنا وخراب مدينتنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت