فهرس الكتاب
قال الواقدي: وكثر فيهم الخطاب وعلا الكلام وأقبل البطريق"نكس"يسب أهل شيزر وأمر غلمانه بضربهم، فلما نظر أهل شيزر ذلك غضبوا وأظهروا سلاحهم عليه وعلى غلمانه ووقع القتال بين الفريقين فعرف المسلمون ذلك وقالوا: اللهم أهلكهم ببأسهم ... ولم يزل أهل شيزر في القتال حتى نصروا على البطريق وعلى غلمانه وقتلوهم عن آخرهم، ثم أخرجوا إلى الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - رجالًا إلى لقائه بغير سلاح، فلما وقفوا بين يدي الأمير أبي عبيدة سلموا عليه وقالوا: أيها الأمير إنا قتلنا بطريقنا في محبتكم، قال: يا أهل شيزر بيض الله وجوهكم وأدر رزقكم فقد كفيتمونا الحرب والقتال، ثم قال للمسلمين: ألا ترون إلى حسن طاعة هؤلاء الروم وفعالهم ببطريقهم في محبتكم والدخول في طاعتكم، وقد رأيت من الرأي أن أحسن إلى القوم وأنعم عليهم! فقال المسلمون: نعم ما رأيت حتى يصل ما تصنع إلى غيرهم ويفتح الله علينا البلاد إن شاء الله تعالى.
قال الواقدي: فأقبل على أهل شيزر، وقال: أبشروا فإنِّي لست أكره أحدًا منكم! فمن أحب منكم الدخول في ديننا فله ما لنا وعليه ما علينا، والخراج موضوع عنكم سنتين ومن أقام على دينه فعليه الجزية وقد وضعنا عنه الخراج سنة كاملة، ففرح الروم بذلك، وقالوا: أيها الأمير سمعنا وأطعنا وهذا قصر بطريقنا فأنت أحق بما فيه وهو هدية منا إليك فدونك وإياه وما فيه من الرجال، والآنية والأموال، فأخرج أبو عبيدة - رضي الله عنه - منها الخمس وقسم الباقي على المسلمين بالسوية، ونادى أبو عبيدة - رضي الله عنه: يا معاشر المسلمين قد فتح الله على أيديكم هذه المدينة أيسر فتح وأهونه، وقد خرج أهل حمص من ذمتكم ووفيتم لهم ما عاهدوكم عليه فارجعوا بنا عليهم رحمكم الله تعالى. فركب المسلمون ظهور خيولهم وهمُّوا بالمسير وإذ قد لاح لهم غبرة مرتفعة من وراء النهر المقلوب وهي منقلبة من طريق أنطاكية وقد أخذت عرضًا فأسرعت خيل المسلمين إليها، فإذا معها قسيس كبير من قسوس الروم ومعه مائة برذون موسوقة بالأحمال ومن حولها مائة علج من علوج الروم يحفظونها.
ولم يكن للقسيس خبر بنزول المسلمين على شيزر فصاح بهم خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وكبر المسلمون معه وأحدقوا بهم من كل جانب وأخذوا العلوج أسرى وأخذوا البراذين، وأقبل خالد على القسيس، وقال له: يا ويلك من أين أقبلت بهذه الأحمال؟ قال: فرطن القسيس بالرومية فلم يدر خالد ما يقول هذا القسيس الميشوم، فبدا إليه رجل من أهل شيزر وقال: يا أيها الأمير إنه يذكر أنه من القسوس المعظمة عند الملك هرقل، وقد بعثه وبعث معه إلى هربيس هذه الأحمال فيها ديباج أحمر منسوج بقضبان الذهب وعشرة أحمال مملوءة دنانير