فهرس الكتاب
عمران:159). فتكلم رجل من أهل السبق وقال: أيها الأمير أنت رجل لك رفعة ومكان وقد نزلت فيك آية من القرآن، وأنت الذي جعلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمين هذه الأمة فقال - عليه السلام:"لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح"، أشر أنت علينا بما يكون فيه الصلاح للمسلمين. فقال الأمين أبو عبيدة - رضي الله عنه: إنما أنا رجل منكم تقولون وأقول وتشيرون وأشير والله الموفق في ذلك. فقام إليه رجل من أهل اليمن، وقال: أيها الأمير الذي نشير به عليك أن تسير من مكانك وتنزل في فرجة من وادي القرى، فيكون المسلمون قريبًا من المدينة والنجدة تصل إلينا من الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وإذا طلب القوم أثرنا وأقبلوا إلينا كنا عليهم ظاهرين. فقال الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه: اجلسوا رحمكم الله فقد أشرتم بما عندكم من الرأي وإني إن برحت من موضعي هذا كره لي عمر بن الخطاب ذلك وأخذ يعنفني ويقول تركت مدائن فتحها الله على يديك ونزحت عنها، وكان ذلك هزيمة منك، ثم قال: أشيروا علي برأيكم رحمكم الله تعالى.
فقام إليه قيس بن هبيرة المرادي وقال: يا أمير المؤمنين لا ردنا الله إلى أهلنا سالمين إن خرجنا من الشام، وكيف ندع هذه الأنهار المتفجرة والزروع والأعناب والذهب والفضة والديباج ونرجع إلى قحط الحجاز وجدبه وأكل خبز الشعير ولباس الصوف ونحن في مثل هذا العيش الرغد؟! فإن قتلنا فالجنة وعدنا ونكون في نعيم لا يشبه نعيم الدنيا. فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: صدق والله قيس بن هبيرة وبالحق نطق، ثم قال: يا معاشر المسلمين أترجعون إلى بلاد الحجاز والمدينة وتدعون لهؤلاء الأعلاج قصورًا وحصونًا وبساتين وأنهارًا وطعامًا وشرابًا وذهبًا وفضة مع ما لكم عند الله - عز وجل - في دار البقاء من حسن الطعام؟! ولقد صدق قيس بن هبيرة في قوله لنا ولسنا ببارحين منزلنا هذا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. قال فوثب قيس بن هبيرة وقال: صدَّق الله قولك أيها الأمير وأعانك على ولايتك ولا تبرح من مكانك وتوكل على الله وقاتل أعداء الله، فإن فاتنا فتح عاجل فما يفوتنا ثواب آجل.
فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: شكر الله فضلك وغفر لنا ولك والرأي رأيك وتتابع قول المسلمين بحسن رأيه إلا خالد بن الوليد - رضي الله عنه - فإنه ساكت لا يقول شيئًا. فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: يا أبا سليمان أنت الرجل الجريء والفارس الشهم ومعك رأي وعزم فما تقول فيما قال قيس بن هبيرة؟ فقال خالد - رضي الله عنه: نعم ما أشار به قيس إلا أن الرأي عندي غير رأيه ولكن لا أخالف المسلمين، فقال: إن كان عندك رأي فيه صلاح فائت به وكلنا لرأيك تبع، فقال خالد: - رضي الله عنه - اعلم أيها الأمير أنك إن أقمت في مكانك هذا فإنك تعين على نفسك، لأن هذه الجابية قريبة من