فهرس الكتاب
العواصم وسار ماهان في أثر القوم بجيوشه والرجال أمامه ينحتون له الأرض ويزيلون من طريقهم الحجارة، وكانوا لا يمرون على بلد ولا مدينة إلا أضروا بأهلها ويطالبونهم بالعلوفة والإقامات ولا قدرة لهم بذلك فيدعون عليهم ويقولون لا ردكم الله سالمين. وجبلة بن الأيهم في مقدمة ماهان ومعه العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام.
قال الواقدي: حدثني من أثق به أن الطاغية هرقل لما بعث جيوشه إلى قتال المسلمين، كان للأمير أبي عبيدة في جيوش الروم عيون وجواسيس من المعاهدين يتعرفون له الأخبار، فلما وصل جيش الروم إلى شيزر فارقتهم عيون أبي عبيدة وساروا طالبين عسكر المسلمين فلم يجدوهم على حمص فسألوهم عنهم فأخبروهم أنهم رحلوا لأن الأمير أبا عبيدة - رضي الله عنه - لما فتح حمص ترك عندهم من يأخذ الخراج والذي تركه عندهم من كبرائهم ورؤسائهم، وجعل الجواسيس يسيرون حتى وصلوا إلى الجابية وحضروا بين يدي الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - وأخبروه بما رأوه من عظم الجيوش والعساكر، فلما سمع أبو عبيدة ذلك عظم عليه وكبر لديه، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وبات قلقًا لم تغمض له عين خوفًا على المسلمين، فلما طلع الفجر أذن فصلى بالمسلمين.
فلما فرغ من صلاته أقسم على المسلمين أن لا يبرحوا حتى يسمعوا ما يقول، ثم قام فيهم خطيبًا وحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وترحم على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ودعا للمسلمين بالنصر، وقال: يا معاشر المسلمين اعلموا رحمكم الله أن الله ابتلاكم ببلاء حسن لينظر كيف تعملون وذلك عندما صدقكم الوعد وأيدكم بالنصر في مواطن كثيرة، واعلموا أن عيوني أخبروني أن عدو الله هرقل استنجد علينا من كبار بلاد الشرك، وقد سيرهم إليكم وأثقلهم بالزاد والسلاح يُرِيدُونَ"أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (التوبة:32) ، واعلموا أنهم قد ساروا إليكم في طرق مختلفة ووعدهم طاغيتهم أن يجتمعوا بإزائكم على قتالكم، واعلموا أن الله معكم وليس بكثير من يخذله الله تعالى وليس بقليل من يكون الله تعالى معه فما عندكم من الرأي رحمكم الله تعالى؟ ثم قال لبعض عيونه: قم وأخبر المسلمين بما رأيت فقام الرجل وأخبر الناس بما رأى من الجيوش الثقيلة وعددها وعديدها، فعظم ذلك على المسلمين وداخل قلوب رجال منهم الهيبة والجزع، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض ولم يرد أحد منهم جوابًا، فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: ما هذا السكوت عن جوابي رحمكم الله فأشيروا عليَّ برأيكم! فإنَّ الله - عز وجل - يقول لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم:".. وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"(آل