فهرس الكتاب
فقال ماهان: اخرج أنت إليهم وادع منهم رجلًا عاقلًا وخاطبه بالذي سمعت واجتهد في ذلك. فلبس جرجير ثياب الديباج وتعصب بعصابة من الجوهر وركب شهباء عالية بسرج من الذهب الأحمر المرصع بالدر والجوهر وخرج معه ألف فارس من المدبجة، وسار حتى أشرف على عساكر المسلمين، وأوقف جرجير أصحابه وقرب من المسلمين ووقف بإزائهم وقال: يا معاشر العرب أنا رسول من الملك ماهان فليخرج إليَّ أميركم والمقدم عليكم حتى نعرض عليه مقالنا ولعلنا نصطلح ولا نسفك دم بعضنا. فسمعه المسلمون فأعلموا الأمير أبا عبيدة - رضي الله عنه - بذلك فخرج بنفسه إليه وعليه ثوب من كرابيس العراق وعلى رأسه عمامة سوداء وهو متقلد بسيفه وسار إلى أن وصل إلى جرجير ورفس فرسه حين التقت عنق فرسيهما والناس ينظرون إليهما.
فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: يا أخا الكفر قل ما أنت قائل واسأل عما تريد. فقال جرجير: يا معاشر العرب لا يغرنَّكم أن تقولوا هزمنا عساكر الروم في مواطن كثيرة وفتحنا بلادهم وعلونا أكثر أرضهم، فانظروا الآن ما قد أتاكم من العساكر فإن معنا من سائر الأجناس المختلفة، وقد تحالف الروم أن لا يفروا ولا ينهزموا وأن يموتوا عن آخرهم، وليس لكم على ما ترون من طاقة فانصرفوا إلى بلادكم وقد نلتم ما نلتم من بلاد الملك هرقل، وقد عوَّل الملك أن يتعود الإحسان إليكم وهو يهب لكم ما أخذتم من بلادهم منذ ثلاث سنين! وقد أخذتم السلاح والذهب والفضة. وقد كنتم حين قدمتم الشام منكم على رجله ومنكم عريان فأجيبوا إلى ما دعوتكم إليه وإلا كنتم من الهالكين.
فقال الأمير أبو عبيدة: أما ما ذكرت من عساكر الروم وأنهم لا يفرون ولا ينهزمون، فلو رأت الروم شفار سيوفنا هربت ناكصة على أعقابها، وأما تهويلك لنا بكثرة عددكم فقد رأيت قلتنا وضعف أجسامنا، وكيف لقينا جموعكم وكثرتها وعظم عددها وسلاحها وأحب الأشياء إلينا يوم مشاجرتكم بالحرب والقتال حتى يعرف من الذي يثبت للحرب؟ فلما سمع جرجير كلام الأمير أبو عبيدة التفت إلى رجل من أصحابه يقال له بهيل. فقال يا بهيل: الملك هرقل كأنه أعرف بهؤلاء العرب منا، ثم لوى رأس جواده ورجع إلى ماهان وأخبره بما قال أبو عبيدة ... فقال له ماهان: دعوتهم إلى الموعد. فقال: لا وحق المسيح إني لم أفاتحه في شيء من ذلك لكن ابعث لهم بعض العرب المتنصرة، فإن العرب يميل بعضهم إلى بعض. فعندها دعا ماهان بجبلة بن الأيهم الغساني. وقال: يا جبلة اخرج إلى هؤلاء وخوفهم من كثرتنا وتواتر عددنا وألق في قلوبهم الرعب وأحط بهم مكرك. فخرج جبلة بن الأيهم وسار حتى قرب من