فهرس الكتاب
ولا أحد يتعدى على أحد! وقصد الموضع الذي فيه أبو عبيدة - رضي الله عنه - فنظر إليه كأنه أضعف ضعيف في العرب: ساعة يجلس على الأرض، وساعة ينام عليها، فإذا كان وقت الصلاة قام وأسبغ الوضوء، وأذن المؤذنون وصلى بالناس!
ونظر المتنصر إلى المسلمين وهم يصنعون كصنعه، فقال المتنصر: إن هذه طاعة حسنة ويوشك أنهم ينصرون! فرجع إلى ماهان وحدَّثه بما رأى من القوم وما عاينه، وقال: أيها الملك إني جئتك من عند قوم يصومون النهار ويقومون الليل، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولو سرق واحد منهم ولو كان كبيرهم قطعوه، ولو زنى رجموه! لا يغلب هواهم على الحق، بل الحق عندهم غالب، وأميرهم كأضعف من فيهم إلا أنه مطاع عندهم: إذا قام قاموا وإن قعد قعدوا. مناهم القتال، ومرادهم أن يموتوا شهداء في قتالكم؟ ما تأخروا عن قتالكم إلا ليكون البغي منكم إذا بدأتموهم. فقال ماهان: هؤلاء القوم منصورون غير أنَّي قد وجدت حيلة أعملها عليهم فقال المتنصر: ما الحيلة أيها الملك؟ فقال ماهان: ألست زعمت أنهم لا يبدؤون بالقتال حتى نقاتلهم فنكون نحن الباغين؟ قال: نعم. قال: فإنا لا نطلب الحرب بل نطول بيننا وبينهم وندهمهم على حين غفلة دون عدة منهم ولا أخذ حذرهم فعسى أن نظفر بهم.
ثم إن هامان جمع الملوك وجعل يعقد لهم الرايات والصلبان حتى عقد ستين ومائة صليب تحت كل صليب عشرة آلاف، وكان أول صليب عقد لقناطير وكان نظيره في الرتبة وأمره أن يكون في الميمنة. ثم عقد صليبًا للديرجان وضم إليه الأرمن والنجد والنوبة والروسية والصقالبة. ثم عقد لابن أخت الملك صليبًا على الإفرنج والهرقلية والقياصرة واليرفل والدوقس، وعقد لجبلة بن الأيهم عقدًا وضم إليه المتنصرة من لخم وجذام وغسان وضبة وأمره أن يكون على المقدمة، وقال: أنتم عرب وأعداؤنا عرب والحديد لا يقطعه إلا الحديد، ثم فرَّق الأعلام في أجناد عسكره. فما بان الصباح وأضاء بنوره ولاح حتى فرغ من تعبية جيوشه وترتيب طلائعه وأمر بمضرب له فضرب على كثيب عال على جانب اليرموك يشرف منه على العسكرين، وأوقف عن يمينه ألف فارس عتاة حماة الروم شاكين السلاح وعن يساره كذلك وهم الملكية وأصحاب السرير وأمرهم باليقظة. وقال: أي كرب يكون على العرب أعظم من هذا فإنكم على تعبية وهم على غير أهبة، فإذا طلعت الشمس ورأيتم المسلمين على غير تعبية فاحملوا عليهم من كل جانب ومكان، فما هم في عسكرنا إلا كالشامة البيضاء في جلد الثور الأسود.