فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 611

ترجعوا إلى دور ولا إلى قصور فامنعوا بسيوفكم وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون، ثم خرج من بين الصفوف وأقبل على النساء وهنَّ على التل وفيهنَّ المهاجرات وبنات الأنصار وغيرهنَّ من نساء المسلمين ومعهنَّ أولادهنَّ. فقال لهنَّ: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّ النساء ناقصات عقل ودين"فكنَّ ممَّن احتفظن بأديانهنَّ وقدمنَّ في ذلك النية، وحرضن أزواجكنَّ على القتال، ومن رجع منهم منهزمًا فاحصبن وجهه بالحجارة واضربن جواده بالعمد وأظهرن أولادكنَّ لأزواجكنَّ حتى يرجعوا.

فوقفت النساء وهنَّ مستعدات متنمرات مرتجزات بأشعارهنَّ، ورجع أبو سفيان إلى موضعه وهو يقول: معاشر المسلمين قد حضر ما ترون وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والجنة أمامكم والشيطان والنار وراءكم وأقبل حتى وقف مكانه! ولم تغن مكيدة ماهان شيئًا ورجعت الروم إلى ورائها حين نظروا خالدًا زحف إليهم في خمسمائة فارس، فخافوا لذلك ورجعوا حتى اصطفت الصفوف وعبى المسلمون كتائبهم. فقال ماهان: ما يوقفكم عن قتالهم فازحفوا إليهم! فزحف الروم إلى المسلمين فنظر خالد إلى جيش عرمرم. وكان ماهان قد أنفذ ثلاثين ألفًا من عظمائهم فحفروا لهم في الميمنة حفائر ونزلوا فيها وشدوا أرجلهم بالسلاسل واقترن كل عشرة في سلسلة التماسًا لحفظ عسكرهم وحلفوا بعيسى ابن مريم والصليب والقسيسين والرهبان والكنائس الأربع أن لا يفروا حتى يقتلوا عن آخرهم، فلما نظر خالد إلى ما صنعوا قال لمن حوله من جيش الزحف هذا يوشك أن يكون يومًا عظيمًا، ثم قال: اللهم أيد المسلمين بالنصر. ثم أقبل على أبي عبيدة وقال: أيها الأمير إن القوم قد اقترنوا في السلاسل وزحفوا إلينا بالقواضب ويوشك أن يكون على الناس يومًا عظيمًا. فقال لهم: إن العدو عدده كثير وما ينجيكم إلا الصبر، ثم قال لخالد: فما الذي ترى من الرأي يا أبا سليمان؟

قال الواقدي: وكان ماهان قدم من الروم من عرفت شجاعته وعلمت براعته واشتهر بالثبات في بلادهم وهم مائة ألف. فلما نظر خالد إليهم شهد لهم بالفروسية وأنهم من أهل الشدة وقال لأبي عبيدة: إن الرأي عندي أن توقف في مكاننا الذي أنت فيه سعيد بن زيد وتقف أنت من وراء الناس في مائتين أو ثلثمائة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا علم الناس أنك من ورائهم استحيوا من الله ثم منك أن يفروا. قال فقبل أبو عبيدة مشورته ودعا سعيد بن زيد وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة فأوقفه أبو عبيدة مكانه، ثم انتخب أبو عبيدة مائتي فارس من اليمن وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار ووقف بهم من وراء الجيش بحذاء سعيد بن زيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت