فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 611

فلما نظر إلى قومه وقد انكشفوا صاح فيهم: يا آل زبيد يا آل زبيد! تفرون من الأعداء وتفزعون من شرب كأس الردى؟! أترضون لأنفسكم بالعار والمذلة فما هذا الانزعاج من كلاب الأعلاج؟! أما علمتم أن الله مطَّلع عليكم وعلى المجاهدين والصابرين، فإذا نظر إليهم وقد لزموا الصبر في مرضاته وثبتوا لقضائه أمدهم بنصره وأيدهم بصبره فأين تهربون من الجنة؟! فلما سمعت زبيد كلام سيدهم عمرو بن معد يكرب رجعوا إليه وعطفوا عليه عطفة الإبل على أولادها فاجتمعوا حوله زهاء من خمسمائة فارس وراجل وشدوا على القوم شدة واحدة وحملت معهم حمير وحضرموت وخولان وحملوا حملة صعبة فأزالوا الروم عن أماكنهم وحملت دوس مع أبي هريرة وهز رايته وهو يحرض قومه على القتال ويقول: أيها الناس سارعوا إلى معانقة الحور العين في جوار رب العالمين، وما من موطن أحب إلى الله من هذا الموطن: ألا وان الصابرين قد فضلهم الله على غيرهم الذين لم يشهدوا مشهدهم!

فلما سمعت دوس كلامه طافوا به وحملوا على الروم حملة منكرة ودارت بينهم الحرب كما تدور الرحى وتكاثرت جموع الروم على ميمنة المسلمين، فعادت الخيل تنكص بأذنابها راجعة على أعقابها منكشفة كانكشاف الغنم بين أيدي الأسد! ونظرت النساء خيل المسلمين راجعة على أعقابها فنادت النساء: يا بنات العرب دونكنَّ والرجال ردوهم من الهزيمة حتى يعودوا إلى الحرب. قالت سعيدة بنت عاصم الخولاني كنت في جملة النساء يومئذ على التل، فلما انكشفت ميمنة المسلمين صاحت بنا عفيرة بنت غفار وكانت من المترجلات البازلات ونادت: يا نساء العرب دونكنَّ والرجال واحملن أولادكنَّ على أيديكنَّ واستقبلنهم بالتحريض! فأقبلت النسوة يرجمن وجوه الخيل بالحجارة، وجعلت ابنة العاص بن منبه تنادي: قبَّح الله وجه رجل يفر عن حليلته! وجعل النساء يقلن لأزواجهن: لستم لنا ببعولة إن لم تمنعوا عنَّا هؤلاء الأعلاج.

قال العباس بن سهل الساعدي: كانت خولة بنت الأزور وخولة بنت ثعلبة الأنصارية وكعوب ابنة مالك بن عاصم وسلمى ابنة هاشم ونعم ابنة فياض وهند ابنة عتبة بن ربيعة ولبنى ابنة جرير الحميرية متحزمات وهن أمام النساء والمزاهر معهن، وخولة تقول هذه الأبيات:

يا هاربًا عن نسوة ثقات ... لها جمال ولها ثبات

تسلموهن إلى الهنات ... تملك نواصينا مع البنات

أعلاج سوء فسق عتات ... ينلن منا أعظم الشتات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت