فهرس الكتاب
وأرضي رسول الله خير مؤمل ... نبي الهدى للدين أشرف ناصح
ثم حمل حتى كسر سيفين وجعل كلما كسر رمحًا أو سيفًا يقول: من يعيرني سيفًا أو رمحًا في سبيل الله وأجره على الله، ثم نادى: يا معاشر قيس خذوا نصيبكم من الأجر والصبر، فإن الصبر في الدنيا عز ومكرمة وفي الآخرة رحمة وفضيلة"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"فأجابه قومه ونشطوا للقتال.
قال قتامة: فما رأيت مثل حملة قناطير وقومه ولقد اختلطوا بنا واختلطنا بهم. ورجع خالد من دهمته ومعه ألفان من أصحابه، وقد وضعوا السيوف في الروم وقتلوهم قتلًا ذريعًا والقتل لا يبين فيهم لكثرتهم، وأقبل خالد على الناس من كرته فرأى الناس يقولون جزى الله قتامة بن الأيشم خيرًا عن الإسلام فشكره وجزَّاه خيرًا. وأقبلت ذرعة ابنة الحارث منحدرة عن التل وهي تقول: ما فعل خالد حتى وقفت بين يديه، وقالت: يا ابن الوليد أنت من العرب الكرام، وإنما الرجال بأمرائها، فإن ثبتوا ثبتت الرجال معهم وإن انهزموا انهزمت الرجال معهم، فقال لها خالد: ما كنت من المنهزمين وما كنا إلا نقاتل في الأعلاج. فقالت: قبح الله وجه عبد ينظر إلى أميره ثابتًا وهو منهزم عنه.
قال الواقدي: ونظر ماهان -لعنه الله- إلى الميمنة من عسكره وقد عركت عراك الأديم بعث إليهم يحرضهم على القتال. فعندها خرج علج من الروم وعليه درع سابغ السلاح كأنه قطعة جبل وهو على شهباء عظيمة الخلقة فبرز بين الصفين وجال على شهبائه وسأل القتال! فخرج إليه غلام من الأزد فما جال معه جولة حتى قتله العلج ثم دعا بالبراز فهمَّ أن يخرج إليه معاذ بن جبل، فقال أبو عبيدة: يا معاذ سألتك بحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ما ثبت مكانك ولزمت رايتك ولزومك الراية أحبُّ إليَّ من بروزك إلى هذا العلج! فوقف معاذ بالراية ونادى: يا معاشر المسلمين من أراد فرسًا يقاتل عليه في سبيل الله فهذا فرسي وسلاحي! فجاءه ولده عبد الرحمن فقال: أنا يا أبت! وكان غلامًا لم يحتلم، فلبس السلاح وركب الجواد وقال: يا أبت أنا خارج إلى هذا العلج، فإن صبرت فالمنَّة لله عليَّ، وإن قتلت فالسلام عليك وإن كان لك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجة فأوصني بها. فقال له معاذ: يا بني أقرئه مني السلام وقل له: جزاك الله عن أمتك خيرًا. ثم قال: يا بني اخرج وفقك الله لما يحب ويرضى! فخرج عبد الرحمن إلى العلج كأنه شعلة نار وحمل على العلج وضربه بالسيف فمال عنه العلج ومال إليه وضربه على رأسه فقطع العمامة وشجه شجة فاضحة أسالت دمه، فلما رأى العلج ذلك الدم ظنَّ أنه قتل فتأخر إلى ورائه لينظر كيف يسقط عن جواده، فلما نظر عبد الرحمن إلى