فهرس الكتاب
القتال حين رأوا النساء يقاتلنَ قتال الموت! ويقول الرجل لمن يليه: إن لم نقاتل نحن هؤلاء .. وإلا فنحن أحق بالخدور من النساء! فلله در نساء قريش يوم اليرموك.
قال أبو عامر: وحملت خولة بنت الأزور على علج من الأعلاج كان قد حمل علينا فاستقبلته وجعلت تناوشه بالسيف فضربها العلج بسيفه على قصتها فأسال دمها وسقطت إلى الأرض فصاحت عفيرة بنت عفان حين نظرتها صريعة ونادت: فجع والله ضرار في أخته فأخذت رأسها على ركبتها والدم قد صبغ شعرها كالشقائق فقالت لها: كيف تجدك؟ قالت: أنا بخير إن شاء الله تعالى ولكني هالكة لا محالة فهل لك عليَّ بأخي ضرار؟ فقالت عفيرة: يا ابنة الأزور ما رأيته! فقالت خولة: اللهم اجعلني فداء لأخي ولا تفجع به الإسلام.
قالت عفيرة فجهدت أن تقوم معي فلم تقم فحملناها إلى أن أتينا بها موضعها، فلما كان الليل رأيتها وهي تدور تسقي الرجال وكأن ليس لها ألم قط ونظر إليها أخوها والضربة في رأسها. فقال لها: ما بك؟ فقالت: ضربني علج قتلته عفيرة. فقال لها: يا أختاه أبشري بالجنة فقد أخذت لك بثأر الضربة مرارًا وقتلت منهم أعدادًا. قال: ولم يزل الحرب من أول النهار وكلما قرب الليل يزيد ويشتعل ضرامها، وأبو عبيدة يقاتل برايته والأمراء يفعلون كفعله، إلى أن فصل بينهما الظلام، وقد قتل من الروم يوم التعوير أربعون ألفًا أو يزيدون! ونقل عن خالد أنه انقطع في يده ذلك اليوم تسعة أسياف ولقد أخبرنا عن خالد بن الوليد ممن حضر قتال اليرموك وشاهده قال: كان يعد قتال خالد بمائة رجل من شجعان الرجال.
قال حازم بن معن: وبرز من المشركين في قلب الوقعة أصحاب الديباج والحرير والتجافيف على الخيول الشهب والبلق كأنها من الجبال الراسيات، فلما برزوا غاصوا في القلب وكروا كرة واحدة ورفعوا في وسطهم صليبًا من الجوهر وحملت ميمنتهم على ميسرتنا وميسرتهم على ميمنتنا، وقد شردوا إلى النساء والنساء يضربن وجوههن فجعلن يصحن بهم الله الله لا تغموا الإسلام بهزيمتكم واتقوا ربكم. قال كان بين يدي أبي عبيدة رجل من محرز اسمه نجم بن مفرح وكان من خطباء العصر وأفصح العرب لسانًا وأجرئها جنانًا وكان رفيع الصوت حسنه جدًا فقصده العرب والفصحاء يسمعون ما ينطق به من نظمه ونثره.
.عن موسى بن عمران اليشكري قال: رأيت نصر بن مازن وهو بجامع النيل يحدث عن وقعة اليرموك قال: ما رد الناس عن الهزيمة بعد قضاء الله إلى نصرة الإسلام إلا غلام رجل من بني محارب يقال له نجم بن مفرح وكان لا يتكلم إلا بالسجع يؤلفه بحسن نظمه ولقد حفظنا منه يوم اليرموك ما نحن نذكره عنه، ولقد بلغني أن البلغاء الفصحاء المتأخرين مثل