فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 611

أيها الأمير. فقال: لا علم لي غير أني خرجت إليهم كما رأيت وأشرف عليَّ شيطان من شياطينهم الذي يضلهم، فما هو غير أن نظر لي وتأملني حتى ضجوا ضجة واحدة وولى عني ولم يكلمني. فقال خالد: يوشك أن يكون لهم في ذلك تأويل ورأي فنقف عليه ونعلم نبأه، ثم قال: شدوا عليهم الحرب والقتال فشد عليهم المسلمون.

قال الواقدي: وكان نزول المسلمين على بيت المقدس في أيام الشتاء والبرد وظنت الروم أن المسلمين لا يقدرون عليهم في ذلك الوقت. وزحف المسلمون إليهم وبرزت النبالة من أهل اليمن، وصمم أصحاب القسي ورشقوهم بالنبل وكانوا غير محترزين من النبل لقلة اكتراثهم به حتى رأوا النبل ينكسهم على رؤوسهم من وراء ظهورهم وهم لا يشعرون. قال مهلهل: لله در عرب اليمن فلقد رأيتهم يرمون بالنبل الروم فيتهافتون من سورهم كالغنم! فلما رأوا ما صنع بهم النبل احترزوا منه وستروا السور بالحجف والجلود وبما يرد النبل.

ونظرت الروم إلى ضرار بن الأزور وقد أقبل نحو الباب الأعظم وعليه بطريق كبير وعلى رأسه صليب من الجوهر وحوله غلمان وعليهم الطوارق وبأيديهم القسي الموترة والعمد وهو يحرض القوم على القتال. قال عوف بن مهلهل فنظرت إلى ضرار وقد قصد نحوه وهو يختفي ويستتر إلى أن قرب من البرج الذي عليه البطريق ثم أطلق إليه نبلة، قال عوف: فنظرت إلى النبلة مع علو هذا الجدار وقد خرجت من قوس ضرار والبرج عال رفيع. فقلت: وما تكون هذه النبلة مع علو هذا الجدار وما الذي تصنع في هذا العلج وعليه هذه اللأمة اللامعة؟! فأقسم بالله لقد وقعت هذه النبلة في فيه فتردى إلى أسفل برجه فسمعت للقوم ضجة عظيمة وجولة هائلة فعلمت أنه قتل.

ولم يزل أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة، وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالًا شديدًا والمسلمون صابرون على البرد والثلج والمطر، فلما نظر أهل بيت المقدس إلى شدة الحصار وما نزل بهم من المسلمين قصدوا القمامة ووقفوا بين يدي بتركهم وسجدوا بين يديه وعظموه وقالوا له: يا أبانا قد طال علينا حصار هؤلاء العرب ورجونا أن يأتينا مدد من قبل الملك، ولاشك أنه اشتغل عنَّا بنفسه من أجل هزيمة جيشه، وأنهم أشهى منَّا للقتال وأنهم من يوم نزلوا علينا لم نخاطبهم بكلمة واحدة ولم نجبهم احتقارًا منَّا لهم، والآن قد عظم علينا الأمر وإنا نريد منك أن تشرف على هؤلاء العرب وتنظر ما الذي يريدون منا، فإن كان أمرهم قريبًا أجبنا إلى ما يريدون ويطلبون، وإن كان صعبًا فتحنا الأبواب وخرجنا إليهم فإما أن نقتل عن آخرنا وإما أن نهزمهم عنا فأجابهم البترك إلى ذلك واشتمل بلباسه وصعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت