فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 611

معهم على السور وحمل الصليب بين يديه واجتمع القسوس والرهبان حوله وبأيديهم الأناجيل مفتحة والمباخر حتى أشرف على المكان الذي فيه أبو عبيدة فنادى منهم رجل بلسان فصيح العربية: يا معاشر العرب إن عمدة دين النصرانية وصاحب شريعتها قد أقبل يخاطبهم فليدن منا أميركم فأخبروا أبا عبيدة بمقالهم فقال: والله إني لأجيبه حيث دعاني، ثم قام أبو عبيدة وجماعة من الأمراء والصحابة ومعه ترجمان، فلما وقف بإزائه قال لهم الترجمان: ما الذي تريدون منا في هذه البلدة المقدسة. ومن قصدها يوشك أن الله يغضب عليه ويهلكه! فأخبره الترجمان بذلك فقال: قل لهم نعم إنها شريفة ومنها أسري بنبينا إلى السماء ودنا من ربه كقاب قوسين أو أدنى وأنها معدن الأنبياء وقبورهم فيها ونحن أحق منكم بها ولا نزال عليها أو يملكنا الله إياها كما ملكنا غيرها.

قال البترك: فما الذي تريدون منَّا؟ قال أبو عبيدة: خصلة من ثلاث: أولها أن تقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، فإن أجبتم إلى هذه الكلمة كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا. قال البترك: إنها كلمة عظيمة ونحن قائلوها إلا أن نبيكم محمدًا ما نقول إنه رسول. قال أبو عبيدة: كذبت يا عدو الله إنك لم توحد قط وقد أخبرنا الله في كتابه أنكم تقولون المسيح ابن الله: لا إله إلا الله - سبحانه وتعالى - عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. قال البترك: هذه خصلة لا نجيبكم إليها فما الخصلة الثانية؟ فقال أبو عبيدة: تصالحوننا عن بلدكم وتؤدون الجزية إلينا عن يد وأنتم صاغرون كما أداها غيركم من أهل الشام.

قال البترك: هذه الخصلة أعظم علينا من الأولى وما كنا بالذي يدخل تحت الذل والصغار أبدًا. فقال أبو عبيدة: ما نزال نقاتلكم حتى يظفرنا الله بكم، ونستعبد أولادكم ونساءكم ونقتل منكم من خالف كلمة التوحيد وعكف على كلمة الكفر. فقال البترك: فإنا لا نسلم مدينتنا أو نهلك عن آخرنا، وكيف نسلمها وقد استعددنا بآلة الحرب والحصار، وفيها العدة الحسنة والرجال الشداد، ولسنا كمن لاقيتم من أهل المدن الذين أذعنوا لكم بالجزية فإنهم قوم غضب عليهم المسيح فأدخلهم تحت طاعتكم ونحن في بلد من إذا سأل المسيح ودعاه أجاب دعوته! فقال أبو عبيدة: كذبت والله يا عدو الله"مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ"، فقال: أنا أقسم بالمسيح أنكم لو أقمتم علينا عشرين سنة ما فتحتموها أبدًا وإنما تفتح لرجل صفته ونعته في كتبنا ولسنا نجد صفته ونعته معك أبدًا، فقال أبو عبيدة: وما صفة من يفتح مدينتكم. قال البترك: لا نخبركم بصفته لكن نجد في كتبنا وما قرأناه من كلمنا أنه يفتح هذه البلدة صاحب محمد اسمه عمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت