فهرس الكتاب
يعرف بالفاروق وهو رجل شديد لا تأخذه في الله لومة لائم ولسنا نرى صفته فيكم! فلما سمع أبو عبيدة ذلك من كلام البترك تبسم ضاحكًا، وقال: فتحنا البلد ورب الكعبة! ثم أقبل عليه، وقال له: إذا رأيت الرجل تعرفه؟ قال: نعم وكيف لا أعرفه وصفته عندي وعدد سنينه وأيامه. قال أبو عبيدة: هو والله خليفتنا وصاحب نبينا. فقال البترك: إن كان الأمر كما ذكرت، فقد علمت صدق قولنا فاحقن الدماء وابعث إلى صاحبك يأتي فإذا رأيناه وتبيناه وعرفنا صفته ونعته فتحنا له البلد من غير هم ولا نكد وأعطنا الجزية. فقال أبو عبيدة: فإني أبعث إليه بأن يقدم علينا أفتحبونا القتال أم نكف عنكم. فقال البترك: معاشر العرب ألا تدعون بغيكم .. أنخبركم بأننا قد صدقناكم في الكلام طلبًا لحقن الدماء وأنتم تأبون إلا القتال! قال أبو عبيدة: نعم، لأن ذلك أشهى إلينا من الحياة نرجو به العفو والغفران من ربنا. قال فأمر أبو عبيدة بالكف عنهم وانصرف البترك.
قال الواقدي: فجمع أبو عبيدة الأمراء والمسلمين إليه وأخبرهم بما قال البترك فرفع المسلمون أصواتهم بالتهليل والتكبير، وقالوا: افعل أيها الأمير واكتب إلى أمير المؤمنين بذلك فلعله يسير إلينا وبفتح هذا البلد علينا، فقال شرحبيل بن حسنة: اصبر حتى نقول لهم إن الخليفة معنا ويتقدم خالد إليهم. فإذا نظروا إليه فتحوا الباب وكفينا التعب وكان خالد أشبه الناس بعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فلما أصبح الصباح. قال له الترجمان: قد جاء الخليفة وكان قد قال أبو عبيدة لخالد فركبوا جميعًا، وقالوا: قد جاء الرجل الذي تطلبونه فعرفوا البترك فأقبل إلى أن وقف على السور، وقال له: قل له يتقدم بحيث نراه عيانًا فتقدم خالد فتبينه، وقال: وحق المسيح كأنه هو ولكن باقي العلامات ما هي فيه فبحق دينك من أنت؟ فقال: أنا من بعض أصحابه. فقال البترك: يا فتيان العرب كم يكون هذا الخداع فيكم وحق المسيح لئن لم نر الرجل الموصوف ما نفتح لكم ولا يرجع أحد منا يكلمكم ولو أقمتم علينا عشرين سنة ثم ولى ولم يتكلم، فقال المسلمون عند ذلك: اكتبوا إلى أمير المؤمنين وعرفوه بذلك فعسى أن يأتي ويتشوف بهذه البقعة فكتب أبو عبيدة كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عامله أبي عبيدة عامر بن الجراح. أما بعد السلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - واعلم يا أمير المؤمنين أنا منازلون لأهل مدينة إيلياء نقاتلهم أربعة أشهر كل يوم نقاتلهم ويقاتلوننا ولقد لقي المسلمون مشقة عظيمة من الثلج والبرد والأمطار إلا أنهم صابرون على ذلك ويرجون الله ربهم، فلما كان اليوم الذي كتبت إليك الكتاب فيه أشرف علينا بتركهم الذي يعظمونه،