فهرس الكتاب
وقال: إنهم يجدون في كتبهم أنه لا يفتح بلدهم إلا صاحب نبينا واسمه عمر وأنه يعرف صفته ونعته وهو عندهم في كتبهم وقد سألنا حقن الدماء فسر إلينا بنفسك وانجدنا لعل الله أن يفتح هذه البلدة علينا على يديك، ثم إنه طوى الكتاب وختمه، وقال: يا معاشر المسلمين من ينطلق بكتابي هذا وأجره على الله فأسرع بالإجابة ميسرة بن مسروق العبسي، وقال: أنا أكون الرسول وأرجع مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن شاء الله تعالى.
قال أبو عبيدة: فخذ الكتاب بارك الله فيك فأخذه ميسرة واستوى على ناقة له كوماء ولم يزل سائرًا إلى أن دخل المدينة فدخلها ليلًا، وقال: والله لا نزلت عند أحد من الناس، فأناخ ناقته على باب المسجد وعقلها ودخل المسجد وسلم على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قبر أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، ثم أتى مكانًا في المسجد فنام وكان له ليال عدة لم ينم فأخذته عيناه فما استيقظ إلا على أذان عمر وكان يغلس في الأذان، فلما أذن دخل المسجد وهو يقول: الصلاة رحمكم الله. قال ميسرة: فقمت وتوضأت وصليت خلف عمر صلاة الفجر، فلما انحرف عن محرابه قمت إليه وسلمت عليه، فلما نظر إلي صافحني واستبشر، وقال: ميسرة ورب الكعبة! ثم قال: ما وراءك يا ابن مسروق؟ قلت: الخير والسلامة يا أمير المؤمنين ثم ناولته الكتاب فقرأه على المسلمين فاستبشروا به، فقال: ما ترون رحمكم الله فيما كتب به أبو عبيدة؟ فكان أول من تكلم عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فقال: يا أمير المؤمنين إن الله قد أذل الروم وأخرجهم من الشام ونصر المسلمين عليهم وقد حاصر أصحابنا مدينة إيلياء وضيقوا عليهم وهم في كل يوم يزدادون ذلًا وضعفًا ورعبًا فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف ولقتالهم مستحقر فلا يلبثون إلا اليسير حتى ينزلوا على الصغار ويعطون الجزية! فلما سمع عمر ذلك من مقال عثمان جزَّاه خيرًا، وقال: هل عند أحد منكم رأي غير هذا؟
فقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: نعم عندي غير هذا الرأي، وأنا أبديه لك رحمك الله. فقال عمر: وما هو يا أبا الحسن؟ قال: إن القوم قد سألوك وفي سؤالهم ذلك فتح للمسلمين، وقد أصاب المسلمين جهد عظيم من البرد والقتال وطول المقام وإني أرى أنك إن سرت إليهم فتح الله هذه المدينة على يديك وكان في مسيرك الأجر العظيم في كل ظمأ ومخمصة، وفي قطع كل واد وصعود جبل حتى تقدم إليهم. فإذا أنت قدمت عليهم كان لك وللمسلمين الأمن والعافية والصلاح والفتح ولست آمن أن ييأسوا منك ومن الصلح ويمسكوا حصنهم ويأتيهم المدد من بلادهم وطاغيتهم فيدخل فلا يتخلفون عنه، والصواب أن تسير إليهم إن شاء الله تعالى.