فهرس الكتاب
قال كعب: فلما سمعت هذه الآيات قلت: يا أمير المؤمنين أنا أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. ففرح عمر بإسلام كعب الأحبار، ثم قال: هل لك أن تسير معي إلى المدينة فنزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتتمتع بزيارته. فقلت: نعم يا أمير المؤمنين أنا أفعل ذلك. وارتحل عمر بعد أن كتب لأهل بيت المقدس كتابًا -أي عهدًا- وأقرهم في بلدهم على الجزية، وسار بمن معه من العساكر إلى الجابية فأقام بها، ودوَّن الدواوين، وأخذ الخمس الذي لله مما أفاء الله على المسلمين، ثم قسم الشام قسمين فأعطى أبا عبيدة من حوران إلى حلب وما يليها وأمره بالمسير إلى حلب وأن يقاتلوا أهلها إلى أن يفتحها الله على يديه، وأعطى أرض فلسطين وأرض القدس والساحل ليزيد بن أبي سفيان، وجعل أبا عبيدة واليًا عليه وأمر يزيد أن يحارب أهل قيسارية إلى أن يفتحها الله على يديه، وكان قد أعطى أكثر الأجناد لأبي عبيدة مع خالد وسير عمرو بن العاص إلى مصر واستعمل على قضاء حمص عمرو بن سعيد الأنصاري ثم سار عمر - رضي الله عنه - يريد مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخذ كعب الأحبار معه وكان أهل المدينة يظنون أن عمر يقيم بالشام لما يرون من كثرة خيرها وطيب فواكهها ورخص أسعارها ولما يخبرون عنها أنها بلاد الأنبياء وهي الأرض المقدسة وفيها المحشر فبقي الناس يتطاولون نحوه ويخرجون في كل يوم ينظرونه حتى قدم عمر - رضي الله عنه - فارتجت المدينة يوم قدومه واستبشر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برؤيته وسلموا ورحبوا به وهنئوه بما فتح الله على يديه، فأول ما بدأ بالمسجد سلم على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، ثم صلى ركعتين ودعا بكعب الأحبار. وقال: حدث المسلمين بما رأيت في الورقتين فازداد الناس إيمانًا.
قال أبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي: .... والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، ما اعتمدت في خبر هذه الفتوح إلا على الصدق وما حدثت حديثه إلا على قاعدة الحق لأثبت فضل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهادهم حتى أرغم بذلك أهل الرفض الخارجين على أهل السنة، إذ لولاهم بمشيئة الله تعالى لم تكن البلاد للمسلمين وما انتشر علم هذا الدين فلله درهم لقد جاهدوا في الله حق جهاده لا جرم، وقد قال فيهم الملك المقتدر"فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".
قال الواقدي: وذلك أنه لما بعث عمر بن الخطاب أبا عبيدة وجعله أمير الشام وأمره بالمسير إلى حلب وأنطاكية والمفرق وما يليهم من الحصون بعث عمرو بن العاص إلى مصر ويزيد بن أبي سفيان إلى ساحل الشام فنزلوا قيسارية وهي آهلة بالخلق كثيرة الجند وكان عليها قسطنطين ابن الملك هرقل وكان معه ثمانون ألفًا من الروم والعرب المتنصرة والروسية، فلما