فهرس الكتاب
أسفل، وكان دامس هذا يهواها وكل ما يأخذه من الأموال والخيل والإبل يدفعه إليها ولا يعظم عليه كثرته، وكان لا يرضى لها بالقليل ولا يشبع لها بالكثير؛ فظن القوم أنه ماض إليها وقاصد نحوها بحملته التي معه من رزمته، فقال لهم: وايم الله إني بطل فما تظنون؟! وسوف تعلمون أن ما أفعله الحق واليقين.
فرجع قومه وتركوه وسار إلى أن أتى إلى مرعى قومه فأخذ راحلته من إبلهم ورحَّلها وأخذ سيفه وحجفته، وجعل الرزمة تحته وسار بقية يومه وليلته، حتى إذا كان آخر الليل عطف بالراحلة إلى بعض الأودية فأبركها وحل رحلها وعقلها، ودوَّرها ترعى معقولة، ثم كمن بين حجرين، وكان قريبًا من القوم ويخاف أن يدوروا به، فلما مضى عليه نهاره وأقبل ليله أتى إلى راحلته وأبركها ورحَّلها واستوى في كورها، وسار حتى أشرف على نار القوم فعدل بناقته حتى أشرف على الحي، وكان في ذلك الشرف شجر من الطلح فأبرك ناقته وزمَّ شدقها لئلا ترغو فيسمع القوم رغاءها؛ ثم عمد إلى رزمته فحلها واستخرج منها الثياب، وأتى إلى تلك الشجرة فجعل على كل عود منها مثل عمامة الرجل، ويأتي بالعود ينصبه ويسنده بالحجارة ويطرح عليه الإزار، ولم يزل حتى أقام أربعين عودًا على هذه الصفة، وجعل عليه حلة حمراء أرجوانية وهبط من ذلك الشرف الذي عليه الثياب وقصد الحي ودار حول بيوتهم وتفكر في أمره، وكيف يحتال وقد مضى أكثر الليل. ثم صبر إلى أن طلع الفجر وسار نحو الساحل، فلما قرب منهم صاح فيهم وقال: دنا أجلكم! أنا أبو الهول ولقد أصبحتم بالويل وأخذتم من البر والبحر، وجعل ينادي: يا لثأر طريف يا آل طريف يا آل كندة، فلما وقع صوته في أسماعهم ذهلت رجالهم وتصارخت نساؤهم وفزع القوم بين يديه من البيوت هاربين وإلى الساحل نحو الجبل طالبين وهو من خلفهم، فلما رأوه وحده شجع بعضهم بعضًا ورجعوا إليه يقاتلونه وطمعوا فيه لما لم يروا أحدًا من ورائه أخذوا في طلبه، فجعل يكِرُّ عليهم ويرجع عنهم ويقتل رجلًا بعد رجل!
فلما نظروا إلى شدة بأسه وعظم مراسه وهول صولته وشدة حملته، أرادوا أن يسبقوه إلى الشرف ليأتوا إليه من ورائه، فلما علم أنهم قد قاربوا الأعواد التي عملها وعليها الثياب خاف أن ينظروا إليها ويعلموا ما فعله من المكر، فسبقهم إلى الشرف وسار أمامهم وأقبل على الأعواد مخاطبًا لها كأنه يخاطب الرجال وهو يقول:"يا أهل كندة يا أهل طريف إياكم والقوم، قد أتتكم الرجال فلا تحملوا عليهم وأنا أفديكم بنفسي، فإن رأيتم علي الحيف فاحملوا على القوم"، فمدَّ القوم أبصارهم إليه فوجدوا عنده الثياب على الأعواد في انشقاق