فهرس الكتاب
وجعل يضرب في أعراضهم بسيفه ومعه طائفة من بني طريف من شجعانهم وفرسانهم، فلما نظر يوقنَّا ما نزل به تقهقر إلى ورائه، وقد قتل من رجاله مائتان ودامس يكر عليهم ويتبعهم إلى رأس درب القلعة وكندة من ورائه فناداهم أبو عبيدة: عزيمة مني عليكم أن لا يتبعهم منكم أحد في ظلمة هذا الليل، فقال الناس: يا أبا الهول إن الأمير يعزم علينا وعليك بالرجوع فارجع رحمك الله فرجع دامس إلى رحله، وتراجع القوم إلى رحالهم، وقد أبلت كندة بلاءً حسنًا والناس قد خرجوا. فلما أصبح الناس اجتمعوا للصلاة مع أبي عبيدة، فلما قضيت الصلاة تفرَّقوا ولم يبق إلا نفر يسير من أمراء المسلمين فجعلوا يذكرون ليلتهم. فقال خالد: أصلح الله الأمير لقد رأيت كندة وقد أبلت بلاءً حسنًا، وقد تقدمت رجالها وثبتت أبطالها، وما زالت تضرب حتى أزالت عنَّا حامية الكفر والعدو، فقال أبو عبيدة: صدقت والله يا أبا سليمان! والله لقد أسعدت الناس كندة بثباتها والله لقد سمعتهم يقولون: أحسن دامس وأجاد أبو الهول! فقام إلى أبي عبيدة رجل من رؤساء كندة يقال له سراقة بن مرداس بن يكرب، فقال: أصلح الله الأمير"دامس"هو"أبو الهول"، وهو مولى ظريف قدم مع هذا الوفد الذي ورد بالأمس، وهو رجل يفخر ويهول على الأبطال ويفضح الشجعان ويذل الأقران، لا يهوله جمع ولا يصعب عليه غارة! فقال أبو عبيدة لخالد: أما تسمع كلام سراقة في عبدهم دامس؟!
فقال خالد: يوشك أن يكون صادقًا في قوله، ولقد سمعت بذكره وحديثه وشجاعته وبراعته، ولقد أخبرني رجل يقال له النعمان بن عشيرة المهري أن دامسًا قد أغار وحده وهم على ساحل البحر في سبعين رجلًا من أهل مهرة، وكان دامس هذا يطلبهم لأجل ثأر كان له عند القوم، وكانوا يخافون منه ومن شره وبأسه فكانوا مع ذلك يفتدون بأموالهم ودوابهم ويهربون إلى أطراف الجبال وسواحل البحر حذرًا منه، وكان مع ذلك يسأل عن أخبارهم ويطلع على آثارهم، فلما صح عنده نزولهم على ساحل البحر استصرخ قومه للغزو فتشاغلوا ولم ينفر منهم أحد معه، وكان خبيرًا بالبلاد سهلها ووعرها، برها وبحرها، فلما أيس من قومه دخل إلى خبايته واحتمل رزمة على عاتقه فأتاه أناس من قومه وقالوا له: إلى أين تريد وما هذا الذي معك؟ فقال: يا قوم أنا أريد الغارة على بني الشعر وآخذ بالثأر وأكشف العار. فقال له مشايخ الحي: ما رأينا أعجب من أمرك وأنت تعلم أن بني الشعر سبعون، فمن يريد أن يغير عليهم وحده ويأخذ منهم بالثأر؟! وما سمعنا بهذا أبدًا، وإنا نرى أن تقصد جوادًا، وكانت جواد هذه أمة لبني حياس من الحضارمة، وكانت بقرية من قرى حضرموت يقال لها