فهرس الكتاب
أخوة الإسلام لبدأت بك قبله فاحذر أن تزدري بالرجال وإن أحببت أن تعرفني فسل عنِّي من حضر من أهلي وما قد تقدم من فعلي الذي من ذكره تطيش العقول وتضيق الصدور! كم من عساكر قتلتها وجموع فرقتها ومحافل بددتها وغارات شننتها ولا يضام لي جار ولا يلحقني عار وبحمد الله أنا فارس كرار غير فرار. ثم تركه مغضبًا وسار أمام الناس!
وإن قومًا من العرب قالوا لعبد الله بن قرط: يا أخا العرب ارفق بنفسك فإنك وايم الله تخاطب رجلًا يقرب إليه البعيد ويهون عليه الصعب الشديد وإنه لجليد فريد لا تهوله الرجال، ولا تفزعه الأبطال إن كان في حرب كان في أوله لا يدركه من طلب ولا يفوته من هرب، فقال عبد الله: لقد كثر وصفكم وأطنبتم في ذكركم وأرجو أن يجعل الله فيه خيرًا وفرجًا للمسلمين! ثم أخذ القوم في جد السير حتى قدموا حلب إلى أبي عبيدة، وهو منازل أهل قلعة حلب ومحاصرها وقد أحاط المسلمون بالقلعة من كل جانب. فلما أشرف القوم عليهم أخذوا في زينتهم وجردوا سيوفهم وأشهروا سلاحهم ونشروا راياتهم وكبروا بأجمعهم وصلوا على نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. فأجابهم أهل العسكر بالتكبير من كل جانب واستقبلهم أبو عبيدة وسلم عليهم وسلموا عليه ونزل كل قوم عند بني عمهم وعشيرتهم.
ويوقنَّا ما زال في كل ليلة ينشط إليهم برجاله ويناوشهم وذلك أنه كان لا يقاتلهم إلا قليلًا ولا يظهر من القلعة نهارًا أبدًا وكان أكثر خروجه في وقت خروج الناس، فلما بات المسلمون القادمون في تلك الليلة ونظرت طيء وشنبس ونبهان وكندة وحضرموت إلى شدة الحرس وعظم حرسهم وحذرهم أقبل دامس أبو الهول على أهله الذين نزل عليهم من طريف وكندة، فقال لهم دامس: والله ما أنتم محاصرون لا محالة؟ فقالوا له: وكيف ذلك؟ قال: لأن العدو في رأس قلعة وأنتم قدام العدو من الأرض لقربكم ولا عسكر بإزائكم تخافونه فما هذا الخوف؟ قالوا: يا أبا الهول إن صاحب هذه القلعة علج ميشوم يرتقب غفلتنا ويغير على أطرافنا ويأتينا من مأمننا! فبينما دامس يخاطب القوم وإذا بالضجة قد وقعت في طرف عسكر المسلمين ولها جلبة عظيمة فوقف دامس منتضيًا حسامه متنكبًا حجفته وطلب الناحية التي سمع منها الصوت حتى بلغ إليها وإذا بيوقنَّا في خمسمائة رجل أبطال أنجاد وليوث شداد وقد وجد فرقة من القوم، فلما نظر دامس إلى الروم وقع في وسطهم، وجعل يقول:
أنا أبو الهول واسمي دامس ... أكر في جمعهم مداعس
ليث هزبر بطل ممارس ... مدمر كل عدو ناكس