فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 611

فقال أبو عبيدة: خيرًا رأيت وخيرًا يكون يا دامس. أما رؤياك هذه فإنها للمسلمين بشارة، ولعدونا خسارة، ثم قال له: اجلس مكانك. وأمر أبو عبيدة أن ينادى المسلمون فحضر رؤساء المسلمين وأعيانهم، فلما حضروا قال أبو عبيدة: الله أكبر فتح الله ونصر، وحبانا بالظفر، وخذل من كفر، ثم قال: يا معاشر المسلمين اسمعوا رؤيا أخيكم دامس فإنها عبرة لمن اعتبر. فأقبلوا يسمعون له، فعندها قام أبو عبيدة على قدميه وقال: الحمد لله وصلى الله على رسوله وسلم، ثم قال: يا معاشر الناس إن الله - سبحانه وتعالى - له الحمد قد وعدنا في كتابه على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - الغلبة على أعدائنا والظفر بمرادنا، وما كان الله ليخلف وعده، وإني نذرت إن فتح الله هذه القلعة على يدي أصنع من البر ما استطعت، والآن قد هجس في نفسي ووقع في قلبي أنا ظافرون بهذه القلعة ومن فيها إن شاء الله تعالى، لأنه قد دلني على ذلك رؤيا هذا الغلام، ثم قبض بكفه على زند أبي الهول وقال له: رحمك الله حدِّث إخوانك بما رأيت في منامك فقام دامس قائمًا وقال: اعلموا أني رأيت في منامي كذا وكذا وجعل يقص على الناس رؤياه من أولها إلى آخرها، فلما فرغ منها أقبل المسلمون على أبي عبيدة قالوا له: أيها الأمير ما تأويل رؤياه؟

قال أبو عبيدة: اعلموا رحمكم الله، أما الجبل الذي رآه عاليًا شامخًا شديد الامتناع بين الشعاب والقلاع فذلك دين الإسلام بلاشك وسنة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأما الثعبان الذي رآه وقد منع الناس وقد هجم عليه بسيفه فأمر حسن هو أن يفرج الله على يديه على المسلمين! ففرح الناس بتأويل أبي عبيدة. وقالوا: أيها الأمير فما الذي تأمرنا به؟ فقال: آمركم بتقوى الله سرًا وجهرًا. ثم المكيدة على الأعداء طوعًا وصبرًا فارجعوا إلى رحالكم حفظكم الله وأصلحوا شأنكم وآلة حربكم وما تحتاجون إليه فإني أقدمكم غداة غد إلى أعاديكم إلى أن يحدث لي رأي غير هذا، فإني لست أدع الاجتهاد في الرأي والمشاورة لمن أثق به وبرأيه من المسلمين، فقالوا بأجمعهم: وفق الله رأيك أيها الأمير وظفرك بأعدائك إنه سميع عليم، فعَّال لما يريد. ومضوا إلى رحالهم، فجعل هذا يحد سيفه، وهذا يصلح آلة حربه وفرسه، وهذا يتفقد درعه، وهذا قوسه ونشابه، وما زالوا كذلك بقية يومهم، فلما أصبحوا دعا أبو عبيدة بدامس، فقال له: أيها الولد المبارك! ماذا ترى في أمر هذه القلعة وما عندك من الحيلة؟ فقال دامس: اعلم أيها الأمير أنها قلعة منيعة شامخة حصينة تعجز الوافد وتمنع القاصد، في أهلها محاصرة ولا تضيق صدورهم من قتال، غير أني أفكر في حيلة أحتالها أو بلية أعملها وأرجو من الله أن يتم ذلك عليهم، فيكون تبديدهم، ونملك بمشيئة الله ديارهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت