فهرس الكتاب
ونقلع آثارهم، فقال أبو عبيدة: يا دامس وما هي؟ فقال: أصلح الله الأمير أنت تعلم ما في إذاعة الأسرار من الشر والإضرار،"ومن كتم سره كانت الخيرة فيما لديه"، ويقال إن دامسًا هذا أول من تكلم بهذه الكلمة فصارت مثلًا.
فقال أبو عبيدة: فما الذي تشير إليه، وما الذي تعتمد عليه؟ قال: تزحف بعسكرك وجملة من معك من أصحابك حتى تنزلوا بإزاء القلعة ليظهر لهم منك الحرص والهيبة واعلم أن في ذلك من الحيل ما أرجو من الله أن يتمها إن شاء الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأمر أبو عبيدة عسكره بالرحيل فارتحلوا ونزلوا تحت القلعة وهللوا وكبروا وأظهروا سلاحهم وأرهبوا أعداء الله تعالى، قال فأشرف عليهم الروم ونظروا إلى جمعهم فهابوهم وألقى الله الرعب في قلوبهم حتى أنهم اضطربوا في قلعتهم وماجوا وجعل كبراؤهم يستشيرون فيما بينهم: فقال قوم نقاتلهم، وقال قوم بل نقعد في قلعتنا فإنهم لا يقدرون علينا، ثم اجتمع رأيهم على القتال من فوق القلعة وقعدوا على الأبراج والبنيان وجعلوا يرمون المسلمين بالحجارة والسهام وقد أقاموا على ذلك ليلًا ونهارًا ودامس مع ذلك يعمل حيلة يصل بها إليهم بسوء. فلما كان بعد السبعة والأربعين يومًا أقبل دامس على أبي عبيدة وقال له: أيها الأمير قد عجزت وأنا أعمل حيلًا فما صدر من يدي في حقهم شيء وقد افتكرت في شيء وأرجو من الله أن يكون به الظفر والظهور على أعداء الله. فقال أبو عبيدة: وما الذي دبرت؟ قال: تضيف إليَّ من صناديد الرجال ثلاثين رجلًا وتأمرهم بالطاعة وترك المخالفة والاعتراض علي فيما آمرهم به وأفعله وأراه.
فقال أبو عبيدة: سأفعل ذلك، ثم ضم إليه ثلاثين رجلًا من الشجعان حتى إذا اجتمعوا قال لهم أبو عبيدة: معاشر المسلمين إني قد أمَّرت دامسًا عليكم وأمرتكم بالطاعة والقبول لأمره واعلموا رحمكم الله أني ما أمَّرته عليكم لكونه أجل منكم حسبًا ونسبًا ولا أعظم موكبًا ولا أشد بأسًا ولا أكثر مراسًا فلا يقل أحدكم إني قد أمَّرت عليكم عبدًا احتقارًا بكم، وبالله أحلف مجتهدًا لولا ما يلزمني من تدبير هذا العسكر لكنت أول من ينطلق معه في جمعكم وأنا أرجو من الله أن يفتح على أيديكم، فأقبلوا عليه بجمعهم، وقالوا: أصلح الله الأمير ما نشك في إعظامك لنا ومعرفتك بسابقتنا، ولقد كان كلامك الأول أثر في نفوسنا، وها نحن لك وبين يديك ولو أمَّرت علينا علجًا أغلف لم نخرج لك من أمر ولا رأي إذ علمنا أنك لا تريد إلا نصحًا للدين وحياضه، فالسمع والطاعة لله ثم لك ثم لمن وليته علينا من قبلك كائنًا من الناس أجمعين. ففرح أبو عبيدة بما قالوه ووثق بكلامهم وجزَّاهم خيرًا، وقال لهم: