فهرس الكتاب
اعلموا رحمكم الله تعالى أن نفسي تحدثني أن الله تعالى يفتح هذه القلعة على يد هذا العبد المقبل لأنه دقيق الحيلة حسن البصيرة فسيروا معه وثقوا بالله وتوكلوا عليه وقد تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ولى قوادًا على سادات العرب من المسلمين والأشراف من عشيرته.
ثم أقبل على دامس فقال له: يا دامس ما الذي تحب بعد هذا؟ قال: ترحل أنت بجيشك من وقتك هذا فتكون منا على مسيرة فرسخ فتنزل بالعسكر وتأمرهم بقلة الحركة وأن يختفوا ما استطاعوا أو يكون لك رجال تثق بشدتهم ونصحهم للمسلمين يتجسسون عن أخبارنا وآثارنا من غير أن يعلم بهم وبنا أحد ويكونون بغير سلاح سوى الخناجر، فإذا عاينوا منَّا الظهور على أعدائنا والظفر بهم لحقوك وبشروك بذلك فتلحق بنا إن شاء الله تعالى وليكونوا متفرقين في موضع واحد، فإن ذلك أسلم لهم وأبلغ لما يريدون من أمورهم والله المستعان في جميع الأمور والأحوال. فعلم أبو عبيدة أنه نصيح من الرجال صاحب رأي وبصيرة. ثم إن دامسًا أقبل على رفاقه الذين وليَّ عليهم وقال لهم: يا فتيان العرب انهضوا بنا بارك الله فيكم حتى نكمن في بعض هذا الوادي ما دام الناس عازمين على الرحيل لئلا تشرف الروم فينظروا إلى رحيلنا فلا يتفق لنا أن نطلب لنا مكمنًا إذا أشرفوا من أعلى حصنهم وليكن مع كل رجل منكم سيفه وحجفته وخنجره لا غير.
ففعلوا ذلك، فلما تكاملوا لبس دامس لأمة حربه وجعل خنجره تحت أثوابه وأخذ جماعته وخرج بهم حتى إذا فارق العسكر جعلوا يخفون آثارهم وأشخاصهم وهو سائر بهم حتى أتى بهم كهفًا في الجبل فأمرهم بالدخول إليه وجلس على بابه.
قال: وأما أبو عبيدة فإنه أمر الناس بالرحيل بعدما رتب الرجال كما وصاه أبو الهول فارتحل العسكر وأشرف عليهم أهل القلعة فرأوهم يرحلون ففرحوا بذلك وسروا سرورًا عظيمًا وصاروا يصيحون على المسلمين من أعلى القلعة وقالوا لبطريقهم: أيها السيد افتح لنا الباب حتى نخرج وراء العرب فلعل أن نقتل أحدًا أو نأسره فنهاهم عن ذلك. وداموا بقية يومهم إلى العشاء. فقال دامس لأصحابه: من فيكم ينهض إلى تحت القلعة ويأتينا بخبر منها إذ يقدر على رجل يأسره فيأتينا به فنأخذ منه خبرًا؟ فلم يجبه أحد، فقال: أنا أعلم أن ما في هذه الجماعة إلا من هو ضنين بنفسه كاره للموت وأنا لكم الفداء فانظروا كيف تكمنون. ثم تركهم دامس ومضى فغاب عنهم ساعة وإذا به قد أتى ومعه علج وقال لهم: يا فتيان العرب دونكم هذا فاسألوه! فسألوه فلم يفقهوا قوله. فقال: على رسلكم فغاب غير بعيد وأتى بثلاثة أخر، فلم يكن فيهم من يفهم بلغة العرب! فقال دامس: لعن الله هؤلاء ما أفظع لغتهم وأكثر