فهرس الكتاب
أمره وقال: إن الله وله الحمد قد فتح هذه القلعة على أيدي المسلمين وما بقي لنا موضع نخافه، فهل نقصد أنطاكية، وهي دار الملك وكرسي عزهم وفيها بقية ملوكهم مع هرقل فما ترون من الرأي؟ قال فعندها قام البطريق يوقنَّا وتكلم بلسان عربي فصيح وقال: أيها الأمير إن الله تبارك وتعالى قد أيدكم وأظفركم بعدوكم ونصركم وما ذاك إلا أن دينكم هو الدين القويم والصراط المستقيم ونبيكم هو المشهور في الإنجيل، وهو لا محالة الذي بشر به المسيح ولا شك فيه ولا مراء، وهو الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل وهو النبي الكريم اليتيم الذي يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه فهل كان ذلك أم لا أيها الأمير؟
فقال أبو عبيدة: نعم هو نبينا - صلى الله عليه وسلم - وإنِّي يا يوقنَّا قد حِرْتُ في أمرك وأنت بالأمس تقاتلنا ومرادك أن تكسر عسكرنا وتقطع الطريق على علوفتنا واليوم تقول مثل هذا القول، وقد بلغني أنك لا تفهم بالعربية شيئًا فمن أين لك حفظها؟ فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وإنك تعجب أيها الأمير من هذا الأمر؟ قال: نعم! قال له: اعلم أيها الأمير أني كنت البارحة مفكرًا في أمركم وقد وصلتم إلى قلعتنا ونصرتم علينا وإنه لم يكن عندنا أمة أضعف منكم وتوسوستُ في ذلك، فلما نمت رأيت شخصًا أبهى من القمر وأطيب رائحة من المسك الأذفر ومعه جماعة فسألت عنه فقيل لي: هذا محمد رسول الله فكأني أقول إن كان نبيًا حقًا فليسأل ربه أن يعلمني العربية وكان يشير إليَّ وهو يقول: يا يوقنَّا أنا محمد الذي بشر بي المسيح وأنا لا نبي بعدي وإن أردت فقل لا إله إلا الله وإنِّي محمد رسول الله فأخذت يده فقبلتها وأسلمت على يديه واستيقظت وفمي من تلك الليلة كالمسك الأذفر وأنا أتكلم بالعربية!
ثم إني قمت إلى منزل أخي يوحنَّا وفتحت خزانة كتبه فوجدت في بعض الكتب صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - وما يكون من أمره ووجدت كل الصفات صحيحة وإن أبغض الخلق إليه اليهود أكان ذلك أيها الأمير أم لا؟ فقال أبو عبيدة: نعم كانت اليهود تطلبنا أشد الطلب حتى نصرنا الله عليهم وأخذنا حصونهم وقتلنا أبطالهم. قال يوقنَّا: وجدت هذا في سيرته وجملة أخباره وأن الله تعالى كان يوصيه بأصحابه وبالمسلمين وبالأيتام والمساكين أكان ذلك أم لا؟ قال أبو عبيدة: نعم، أما وصيته من الله على أصحابه. فقد قال الله تعالى:"وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"، وقال في حق اليتيم والمسكين:"فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ". فقال يوقنَّا: هكذا قرأته في كتب أخي يوحنَّا وهو مذكور في الإنجيل والتوراة ثم خرَّ ساجدًا وقبَّل الأرض شكرًا، وقال: الحمد لله الذي هداني إلى هذا الدين ووالله لقد رسخ هذا الدين في قلبي وعلمت أنه الحق، وسأقاتل في الله كما كنت أقاتل في طاعة الشيطان! ووالله