فهرس الكتاب
لأنصرن هذا الدين حتى ألحق بأخي يوحنَّا! ثم إنه بكى بكاءً شديدًا على ما فرط في أمر أخيه. فقال له أبو عبيدة: قال الله في حق إخوة يوسف"قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"، وقال له: إن أخاك في عليين مع الحور العين، وأما أنت فساعة أسلمت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك! فبكى لذلك وقال: أُشهد المسلمين أنَّي كلما جاهدت وقتلت من المشركين فثوابه في صحيفة أخي يوحنَّا! ولابد أن أقاتل في سبيل الله وأمحو ما سلف من الفعال.
فقال أبو عبيدة: يا عبد الله دلنا أين نسير. فقال يوقنَّا: اعلم أيها الأمير أن حصن عزاز حصن منيع وهو قوي بالرجال والعدد والزاد وفيه ابن عم لي اسمه دراس بن جوفناس وهو ذو شدة وبأس وقوة ومراس، جلد في الحرب قوي عند الطعن والضرب! وإن أنتم تركتموه ومضيتم إلى نحو أنطاكية أغار على حلب وقنسرين وأذاقهم شرًا. فقال أبو عبيدة: يا عبد الله قد أنطق الله لسانك بالحق والصواب فما عندك من الحيلة؟ فقال يوقنَّا: عندي من الرأي أن أركب جوادي وتضم إليَّ مائة فارس من المسلمين ولنكن على زي الروم ولباسهم وأتقدم بهم، ثم يتقدم أمير من العرب ومعه ألف فارس على خفاف الخيل وأنا في المقدمة بالمائة فارس على مقدار فرسخ كأننا هاربون منكم وأوائل الخيل الألف في طلبنا فإذا أشرفنا على عزاز نلقي الصوت، فإذا نظر إلينا صاحبها دراس لابد أن ينزل إلينا ويلقانا، فإذا سألني أخبرته أني أسلمت زورًا ثم هربت فخرجت العرب في طلبي فإذا سمع مني ذلك يصعد بنا إلى حصنه وليكن مقدم الألف بالقرب منَّا في قرية هناك فإذا كان نصف الليل سرنا في وسط الحصن ونضع السيف في أعدائنا فإذا كان عند صلاة الفجر يأتينا أمير العرب بالألف الذي معه.
فلما سمع أبو عبيدة ذلك استنار وجهه واستشار خالدًا ومعاذًا في ذلك فقالا: يا أمين الأمة رأي سديد إن لم يغدر هذا الرجل ويرجع إلى دينه. فقال أبو عبيدة"إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ". فقال يوقنَّا: أنا والله رجعت عن ديني إلى دينكم بعدما كنت أعظم من تلك الصور والصلبان وما بقي في قلبي سوى محبة الرحمن ومحمد سيد ولد عدنان والجهاد عن أفضل الأديان والله على ما أقول وكيل، وحق الذي لا إله إلا هو، وحق محمد عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الذي رأيته وعاينته في المنام إن كنتم تظنون في غير ذلك فلا تتركوني أفعل شيئًا مما ذكرته لكم. فقال أبو عبيدة: يا عبد الله إن أنت نصحت للمسلمين ولم تغدر بهم كان الله لك معينًا في كل ما تحاوله فاتبع الصدق تنج به فإن ديننا مبني على الصدق، واتبع سنن إخوانك المؤمنين، واعلم أن المؤمن الصادق قوته ما وجد ولباسه ما ستر ومسكنه ما وجد فلا يحزنك ما تركت