فهرس الكتاب
التي أرادها يوقنَّا على صاحب عزاز، فلما سمع الجاسوس منكم ذلك كتب رقعة وربطها تحت جناح طير كان معه وأطلقه إلى صاحب عزاز، فلما قرأها أرسلني إلى صاحب الراوندات لوقا بن شاس يستنجده عليكم فمضيت إليه بالرسالة وهو قادم في خمسمائة فارس وكأنكم بهم، وقد هجموا فخذوا حذركم.
وأما ما كان من أمر يوقنَّا فإنه سار حتى وصل إلى الحصن فوجد صاحبه قد تجهز بنفسه ومعه أصحابه وهو خارج الحصن وكان اللعين يركب في ثلاثة آلاف فارس من الروم وألف من العرب المتنصرة غير من التجأ إليه من السواد، فلما قدم عليه يوقنَّا لم يوهمه في شيء من أمره بل استقبله وترجل إليه وأقبل كأنه يقبِّل ركابه وكان في يده سكين أمضى من القضاء فقطع به حزام فرس يوقنَّا وجذبه إليه وإذا به قد وقع على أم رأسه فأطبق الأربعة آلاف على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يمهلوهم حتى أخذوهم قبضًا بالكف وشدوهم كتافًا وبصق دراس في وجه يوقنَّا، وقال: لقد غضب عليك المسيح والصليب إذ فارقت دينك ودخلت في دين أعدائك، وحق المسيح لابد لي أن أبعثك إلى الملك الرحيم هرقل يصلبك على باب أنطاكية بعدما أضرب رقاب هؤلاء العرب، ثم إنه أصعدهم إلى الحصن.
قال الواقدي: ومن خيرة الله للمسلمين أن الجاسوس لم يكتب لصاحب عزاز في مكاتبته بسير مالك الأشتر. قال: وإن مالكًا الأشتر لما سمع كلام المتنصر أيقظ أصحابه وربط المتنصر عنده وأقاموا ينتظرون صاحب الراوندات، فلما راق الليل سمعوا وقع حوافر الخيل فلم يكلمهم مالك حتى توسطوا الكمين وأطبقوا عليهم، فكل اثنين ربطوا واحدًا من الروم وأخذوهم بالكف ولم ينفلت منهم أحد، ولبسوا ثيابهم ورفعوا رايتهم وصليبهم كما كانت، ثم إن مالكًا قال للمتنصر: هل لك أن ترجع إلى دين الله - عز وجل - ودين نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فيمحو عنك ما سلف من الكفر بالإيمان وتبقى لنا من جملة الإخوان. فقال: إن قلبي ولبي عندكم فلا جزى الله من ألجأنا إلى الدخول في هذا الدين خيرًا وأنا والله من الطائفة التي هي أول من أسلم على يد عمر بن الخطاب وقد سمعنا عن محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من بدَّل دينه فاقتلوه. فقال له مالك: لقد صدقت في قولك ولكن انسخ هذا الحديث بقول لا إله إلا الله، فقد قال الله تعالى:"إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ"، وقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توبة وحشي قاتل عمه حمزة فأنزل الله فيه الآيات، فلما سمع الغساني ذلك فرح وقال: أنا أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله والآن والله يا مالك قد طاب قلبي وانجبر كسري أخذ الله بيدك وأنقذك الله يوم القيامة. ففرح مالك بإسلامه، وقال